تتحوّل أزمة الإيجار القديم في مصر من خلاف قانوني واقتصادي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة، مع تصاعد شكاوى المستأجرين من اعتداءات أصحاب العقارات، ومحاولات طردهم بالقوة، وانتشار فيديوهات لجرّ الشيوخ في الشوارع، وتكسير الأبواب، وعمليات «تطفيش» منظمة لإخراج الأسر من مساكنها.
ففي ظل قانون جديد ينص على إنهاء عقود الإيجار القديمة خلال مدة تصل إلى 7 سنوات، ورفع القيمة الإيجارية تدريجيًا، يجد ملايين المستأجرين – معظمهم من كبار السن وذوي الدخل المحدود – أنفسهم بين كماشة؛ قانون يضيّق الخناق من أعلى، وممارسات عنيفة من بعض الملاك من أسفل، بينما تقف الدولة – حتى الآن – عند حدود التصريحات والوعود واللجان.
قانون ينهي عقودًا عمرها عشرات السنين.. ويحوّل السكن إلى معركة بقاء
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوجد في مصر نحو 3 ملايين وحدة تقريبًا خاضعة لقانون الإيجار القديم (سكني وغير سكني)، تمثل حوالي 7% من إجمالي الوحدات السكنية البالغة نحو 42 مليون وحدة. وتشير تقديرات أخرى إلى أن عدد المنتفعين من هذا النظام يقترب من 6 ملايين شخص، يعيش كثير منهم في القاهرة الكبرى والإسكندرية، وفي قلب أحياء مكتملة الخدمات، ولا يملكون بديلًا حقيقيًا إن تم طردهم منها.
القانون الجديد الذي أقرّه مجلس النواب وصدّق عليه عبد الفتاح السيسي حدّد مهلة زمنية لإنهاء العلاقة الإيجارية: 7 سنوات للوحدات السكنية، و5 سنوات للوحدات غير السكنية، مع زيادات متدرجة في القيمة الإيجارية خلال هذه الفترة. نظريًا، تتحدث الحكومة عن «تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر» وتعهدات بتوفير بدائل سكنية، لكن الواقع – كما يرصده المستأجرون وخبراء الإسكان – يكشف عن غياب خطة واضحة لبناء مساكن بديلة في بلد يعاني أصلًا من عجز متراكم في الوحدات السكنية يقدَّر بالملايين.
تقارير بحثية نبّهت إلى أن عدد وحدات الإيجار القديم تراجع بالفعل بنسبة تقارب 45% بين عامي 2006 و2017 بفعل التسويات الودية بين الملاك والمستأجرين، دون الحاجة إلى «صدمات تشريعية» حادة، لكن السلطة اختارت – رغم ذلك – طريق التسريع بالقانون، دون تأمين مظلة حماية اجتماعية كافية للفئات الأضعف، ما جعل كل شقة إيجار قديم ساحة صراع محتمل.
فيديوهات الضرب وكسر الأبواب: من شقيق عبد الناصر إلى مسن السويس ومصابين في كرداسة
الأزمة لم تعد حبرًا على ورق؛ فالشارع شاهد على تحوّل الخلافات إلى مشاهد عنف فجّة. خلال الأشهر الماضية، وثّقت وسائل إعلام عدة وقائع اعتداء من ملاك على مستأجرين بهدف طردهم قبل انتهاء المدة القانونية:
• في الجيزة، تعرّض طارق عبد الناصر، شقيق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لمحاولة طرد من شقته في منطقة المهندسين، حيث حرّر محضرًا اتهم فيه مالك العقار بإتلاف باب الشقة ومحاولة إخراجه بالقوة، رغم إقامته بعقد إيجار قديم منذ سنوات طويلة. اتحاد المستأجرين اعتبر الحادثة «جرس إنذار»؛ فإذا كان شقيق رئيس سابق يتعرض للضغط بهذه الطريقة، فما بالك بعجوز لا يعرفه أحد أو أرملة تعيش وحدها في شقة قديمة؟
https://www.instagram.com/reel/DSw-QxXicPm/?hl=ar
• في محافظة السويس، أثار مقطع فيديو متداول غضبًا واسعًا بعد ظهور مالك عقار ينهال بالضرب على مستأجر مسن يتجاوز عمره 70 سنة في الشارع أمام المارة، في محاولة لإجباره على ترك شقته المؤجرة بنظام الإيجار القديم. الفيديو تحوّل إلى نموذج لما يمكن أن تصير إليه العلاقة بين المالك والمستأجر حين يشعر أحد الطرفين أن القانون في صفه وأن الدولة غائبة عن حماية الأضعف.
https://www.facebook.com/watch/?v=1379644083838564
• في مدينة كرداسة، توثّقت أول مشاجرة كبرى بين مالك ومستأجر بعد إقرار قانون الإيجار الجديد، أسفرت عن إصابة 5 أشخاص، على خلفية نزاع حول شقة إيجار قديم باتت مهددة بالإخلاء بعد 7 سنوات وفقًا للنص القانوني. الحادثة لم تكن مجرد مشاجرة عائلية، بل مؤشر على ما يمكن أن يتكرر في أحياء كثيرة كلما اقتربت ساعة التنفيذ.
https://www.youtube.com/watch?v=MmwqM0jrsic
رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار، حذّر من أن «الفترة الماضية شهدت وقائع اعتداء متعددة من ملاك على مستأجرين لطردهم، مما يشكّل خطرًا على السلم المجتمعي»، مؤكدًا أن الاتحاد تقدّم بعدة دعاوى أمام المحكمة الدستورية للطعن على بعض مواد القانون. حتى بعض النواب الذين صوّتوا لصالح القانون بدأوا يدقون ناقوس الخطر، محذرين من أن التطبيق الحالي يفتح الباب للفوضى والعنف أكثر مما يحل المشكلة.
هذه الوقائع – مضافًا إليها عشرات الشكاوى التي لا تصل للإعلام – ترسم صورة مقلقة: ملايين كبار السن والأرامل وأصحاب المعاشات يعيشون اليوم في حالة رعب حقيقي من أن يتحول أي خلاف بسيط مع المالك إلى ضرب أو تهديد أو «تطفيش» من الشقة التي عاشوا فيها عقودًا.
بين سوء أوضاع المستأجرين وغياب مظلة حماية: طريق مفتوح نحو عشوائيات جديدة
خلف الأرقام والقوانين هناك حكايات يومية لمستأجرين محشورين في زاوية ضيقة؛ لا يستطيعون دفع أسعار الإيجارات الجديدة في السوق، ولا يملكون ثمن شقة تمليك، ولا يثقون في وعود الدولة بتوفير بدائل، بينما يتعرض بعضهم لمضايقات منهجية من الملاك.
شكاوى متكررة تظهر في السوشيال ميديا وبرامج الكلام المسائي عن إزعاج متعمد وضوضاء وشتائم وتهديد دائم من الملاك لإجبار المستأجر على ترك الشقة قبل انتهاء المهلة: تخبيط ليل نهار، قطع مياه أو كهرباء عن الشقة، تهديد بعدم تجديد أي تسهيلات، أو استغلال ثغرات في القانون لرفع دعاوى متتالية. هذه الأساليب يصعب إثباتها دائمًا في المحاضر، لكنها تدفع الكثيرين للاستسلام في النهاية.
https://www.youtube.com/watch?v=8g982zTTEHA
في المقابل، تشير دراسات إلى أن الغالبية العظمى من الأسر المنتفعة بالإيجار القديم تدفع إيجارًا شهريًا أقل من 200 جنيه، وأن نسبة كبيرة منهم في فئة أقل من 100 جنيه شهريًا؛ أي أننا أمام طبقات هشّة ماليًا بالكامل، لا تستطيع تحمل زيادات حادة ولا تملك أي مدخرات لنقل سكنها أو دفع مقدم لشقة جديدة. الحديث عن «التحرير التدريجي» للعلاقة الإيجارية يبدو نظريًا «منطقيًا»، لكنه على أرض الواقع قد يعني دفع هذه الأسر إلى أحضان العشوائيات أو السكن المشترك مع أقارب في ظروف مهينة.
الحكومة تتحدث عن «حق المالك» الذي حُرم لعقود من عائد عادل، وعن وحدات مغلقة يجب تحريرها، لكن تطبيق القانون بصيغته الحالية – دون شبكة أمان اجتماعي واضحة، ودون ضبط حقيقي لممارسات بعض الملاك – يهدد بتحويل ملايين المستأجرين إلى مشردين جدد أو سكان غرف ضيقة بلا خصوصية، ويفتح الباب لانفجار اجتماعي حقيقي.
في النهاية، أزمة الإيجار القديم لم تعد مجرد نزاع قانوني بين طرفين، بل تحوّلت إلى مرآة لفشل سياسات السكن والعدالة الاجتماعية في مصر: قانون يميل كفته لصالح من يملك، وسوق عقار منفلت الأسعار، وحكومة تكتفي بإدارة الغضب لا حلّه، ومواطنون يعيشون في بيوتهم كأنهم على حقيبة سفر… ينتظرون اليوم الذي يطرق فيه المالك الباب، أو يكسره.

