بينما يغرق المصريون في موجات الغلاء، حوَّلت حكومة الانقلاب والبنك المركزي الدَّين إلى دوامة لا تنتهي، يستدينون اليوم لسداد ما اقترضوه بالأمس دون خروج من الأزمة. آخر الحلقات كان طرح سندات خزانة متغيرة العائد بقيمة 2 مليار جنيه لمدة 5 سنوات، ضمن حزمة أدوات دين محلية تقارب 200 مليار جنيه في أيام معدودة، تشمل عشرات المليارات من أذون الخزانة القصيرة الأجل.

 

بالتوازي، يكشف البنك المركزي عن طرح أذون خزانة بنحو 75–90 مليار جنيه في عطاءات متلاحقة، وقبول عطاءات لأذون لمدة 91 يوما بقيمة 66.2 مليار جنيه بفائدة تدور حول 25% في المتوسط، في واحدة من أعلى أسعار الفائدة على أدوات الدين في العالم.

 

في هذه الأجواء، يخرج الخبير الاقتصادي د. أحمد خزيم في فيديو متداول مؤخرا ليقول بوضوح إن الشرط الوحيد الذي لم تنفذه الحكومة مع صندوق النقد هو الشفافية وتداول المعلومات، محذرا من أن هندسة الأرقام وإخفاء الصورة الكاملة عن الدين وأدواته تقود إلى كارثة مؤجلة لا أكثر. 

 

أذون بلا سقف: دين قصير الأجل لتمويل عجز مزمن

 

الخطير في قصة الـ 2 مليار جنيه سندات خزانة أنها لا تأتي كعملية منفصلة، بل كجزء من نمط متكرر: تمويل عجز الموازنة وسداد الديون القديمة عبر سيل لا ينقطع من أذون وسندات خزانة. تقارير السوق تشير إلى أن البنك المركزي يطرح في بداية عام 2026 وحده أدوات دين حكومية بما يقرب من 190 مليار جنيه، معظمها أذون قصيرة الأجل بين 3 و12 شهرا.

 

الخبير الاقتصادي د. إبراهيم نوار يقدّر أن أكثر من 95% من الاقتراض الحكومي المحلي يتم عبر أذون وسندات خزانة يصدرها البنك المركزي للبنوك المحلية، ويصف هذا النمط بأنه اقتراض مبالغ فيه يخلق دائرة مغلقة من الدين الداخلي عالي الكلفة، من دون توسّع حقيقي في الاستثمار والإنتاج.

 

ويشرح نوار أن التركيز الشديد على أذون الخزانة القصيرة الأجل، مع عوائد تفوق أحيانا 18–25%، يعني أن الدولة تعيش على تجديد الدين بالدين، مع حساسية مرعبة لأي ارتفاع إضافي في أسعار الفائدة أو هروب للأموال الساخنة.

 

الكاتب والخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام، الذي تابع تطور الدَّين المصري لسنوات، يصف هذه السياسة في أحد مقالاته بأنها «دوّامة دوّخيني يا لمونة»: طرح أذون خزانة، ثم أذون دولارية وسندات خارجية، لسداد استحقاقات سابقة من نفس النوع، من دون رؤية حقيقية لتقليص أصل الدين أو تخفيف الفوائد المتضخمة.

 

في هذا السياق، يصبح طرح سندات متغيرة العائد بـ 2 مليار جنيه «تفصيلة» في مشهد أكبر: اقتصاد يعيش على الاستدانة قصيرة الأجل، بعوائد فلكية، مع غياب خطة جادة للخروج من الحلقة المفرغة.

 

غياب الشفافية.. من فيديو أحمد خزيم إلى تحذيرات خبراء المال

 

في الفيديو الأخير، يؤكد د. أحمد خزيم أن الشفافية وتداول المعلومات كانت المطلة الوحيدة الحقيقية لصندوق النقد على الحكومة المصرية، لكنها الشرط الذي لم يُنفّذ حتى الآن؛ فالمواطن، وحتى كثير من المتخصصين، لا يمتلكون صورة كاملة عن من يشتري هذه الأذون والسندات، وما هي الكلفة الحقيقية لخدمة الدين خلال السنوات المقبلة، وكيف تُحتسب المخاطر.

 

هذا النقد يلتقي مع تحذيرات د. بسنت فهمي، الخبيرة المصرفية والبرلمانية السابقة، التي طالما نبّهت إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الدين، مع طباعة النقود وضخها دون غطاء إنتاجي حقيقي، ينذر بكارثة تضخم وتآكل للودائع والقوة الشرائية للمواطنين. فهي ترى أن اللعب في أرقام الدين وسعر الصرف من دون مصارحة للناس بما يجري، يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة في النظام المالي نفسه.

 

خزيم يضيف في مداخلات أخرى أن ما يجري في الموازنة هو أقرب إلى «هندسة أرقام» منه إلى إصلاح حقيقي؛ فالأرقام تتحسن على الورق، لكن بعد كل خفض للجنيه وكل موجة جديدة من أذون الخزانة وسنداتها، يجد المواطن نفسه أفقر، وتجد الحكومة نفسها مضطرة لمزيد من الاقتراض لتغطية نفس البنود.

 

في ظل هذا الغموض، لا يعرف الرأي العام على وجه الدقة:

 

كم ستدفع مصر سنويا إضافيا نتيجة إصدار سندات متغيرة العائد بـ 2 مليار جنيه في بيئة فائدة تتجاوز 25%؟ وما هي حساسية الموازنة لأي ارتفاع جديد في سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي؟ أسئلة من حق المواطن أن يسمع إجابة رسمية واضحة عليها، لا مجرد عناوين دعائية عن «ثقة الأسواق» و«نجاح الطروحات».

 

من يدفع الفاتورة؟ فوائد تلتهم الموازنة ومخاطر انفجار اجتماعي

 

الرقم الأخطر في المشهد ليس فقط الـ 2 مليار جنيه سندات جديدة، بل ما تكشفه تصريحات رسمية من أن فوائد الديون تلتهم نحو نصف المصروفات وقرابة 70% من الإيرادات العامة، بحسب رئيس لجنة الخطة والموازنة د. فخري الفقي، الذي أقر بأن فوائد الديون وحدها تشكّل العبء الأكبر على الموازنة.

 

نفس الفقي يوضح – في تحليل آخر – أن كل زيادة بمقدار نقطة مئوية واحدة في متوسط العائد على أذون وسندات الخزانة تكلّف الخزانة العامة نحو 30 مليار جنيه إضافية سنويا؛ فكيف سيكون الوضع مع عوائد تدور حول 18–25% ومع طرح سندات متغيرة العائد يمكن أن ترتفع كلفتها تلقائيا إذا قرر البنك المركزي رفع الفائدة مجددا؟

 

مصطفى عبد السلام يشير إلى أن هذه التركيبة تجعل أي كلام عن «تحسن مؤشرات» مجرد وهم؛ فالدولة التي تقترض بالعملة المحلية والدولار لسداد فوائد وأصول ديون سابقة، وتدفع نصف ميزانيتها تقريبا للفوائد، تقتطع بالضرورة من الإنفاق على التعليم والصحة والدعم والخدمات الأساسية، وتدفع ملايين المصريين لمزيد من الفقر والهشاشة.

 

من جانبه، يرى د. إبراهيم نوار أن الاعتماد على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل عجز مزمن، في ظل أزمة ثقة واستثمارات حقيقية ضعيفة، يشبه من «يقترض يوميا من المرابي لسداد فوائد مرابي آخر»، محذرا من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمة ديون داخلية حادة إذا تعثرت الحكومة في التجديد عند أي صدمة جديدة أو موجة خروج لرؤوس الأموال.

 

أما د. بسنت فهمي فتربط بين هذا المسار وبين تآكل الطبقة الوسطى؛ فكل جنيه إضافي يذهب لفوائد أذون وسندات الخزانة، يعني خدمات أقل، وضريبة أعلى بشكل مباشر أو غير مباشر، وضغطًا أشد على دخول المواطنين، في وقت تُرك فيه السوق لحالة من الانفلات السعري دون رقابة حقيقية.

 

في النهاية، قصة سندات الخزانة بـ 2 مليار جنيه ليست مجرد عنوان اقتصادي؛ إنها حلقة جديدة في مسلسل حوّلت فيه حكومة الانقلاب وأذرعها المالية البنك المركزي إلى ماكينة لإصدار أذون وسندات بلا سقف، من دون شفافية حقيقية ولا نقاش مجتمعي حول المخاطر والكلفة والبدائل.

ما لم تُفتح ملفات الدين الداخلي والخارجي أمام الرأي العام، وتُفرض حدود قانونية وسياسية واضحة لدوامة الاستدانة، سيبقى المصريون يدفعون الثمن من لقمة عيشهم، بينما تُكتب الأرقام على شاشات «المركزي» بدم بارد.