بينما تكرر حكومة الانقلاب أن صناعة الدواء «ركيزة استراتيجية للأمن القومي»، تعود أزمة أسعار الأدوية لتكشف فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي وواقع المرضى. شركات الأدوية المحلية تطالب برفع أسعار نحو ألف مستحضر بنسبة ١٠٪، وتبرّر ذلك بـ«اختناق مالي» وارتفاع تكاليف الإنتاج، رغم تحسن سعر الصرف نسبيًا. وفي المقابل، لا يرى المريض من كل هذه البيانات إلا علبة دواء تقفز أسعارها، وجرعة حيوية قد يضطر للتخلي عنها أو تقسيمها على أيام أكثر مما يحتمل جسده.
الخبير الاقتصادي الدكتور محمد حمزة الحسيني يذكّر بأن ملف الدواء وتوفّره بسعر في متناول الطبقات البسيطة «قضية أمن قومي وليست أمرًا تكميليًا»، فالدواء يعني الحياة، وليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، ويربط بين توطين الصناعة وتقليل الاعتماد على العملة الصعبة، بشرط أن ينعكس ذلك على توافر الدواء وسعره، لا على أرباح الشركات وحدها.
لكن ما يجري فعليًا هو العكس تقريبًا: توسّع في المصانع والاستثمارات، وقفزات متتالية في الأسعار، مع غياب رؤية عادلة لتقاسم كلفة الأزمة بين الدولة والقطاع الخاص، بدل تحميلها بالكامل لكتف المريض.
تسعير جامد.. وأسعار تقفز من الخلف: من المستفيد؟
رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية علي عوف يتحدث عن «اختناق مالي حقيقي» لدى الشركات نتيجة نظام تسعير إجباري جامد لا يواكب ارتفاع تكاليف الطاقة والأجور والخدمات اللوجستية. هذا الجزء من الصورة صحيح: هناك تضخم داخلي حاد في عناصر التكلفة غير المرتبطة بالدولار، وتحسن سعر الصرف وحده لا يمحو أثره.
لكن على الجانب الآخر، تكشف تصريحات رئيس غرفة صناعة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، الدكتور جمال الليثي، أن أسعار حوالى ٢٥٠٠ مستحضر – أي نحو ٢٠٪ من الأدوية المسجلة – قد رُفعت فعلًا خلال الفترات الأخيرة، ضمن موجات تحريك سابقة للأسعار. كما تشير بيانات سوقية إلى نمو مبيعات الأدوية في مصر إلى أكثر من ٢٠٠ مليار جنيه في عام واحد، مع توقُّعات بالوصول إلى مئات المليارات في السنوات المقبلة، ما يعكس حجم سوق ضخم لا يمكن تصويره كقطاع يحتضر.
بمعنى آخر: الشركات ليست ضحية خالصة؛ هى تعمل في سوق مربح يتوسع، لكنها تريد أن تظل الأرباح محمية بالكامل من مخاطر التضخم وسوء إدارة السياسات العامة، عبر رفع الأسعار كلما تحركت التكلفة، بينما يبقى دخل المواطن ثابتًا أو متآكلًا. هنا تحديدًا يصبح حديث «الأمن القومي» على لسان الحكومة بلا معنى، لأن الدولة تترك التوازن بين الربح والحق في العلاج لطرف واحد هو الشركات.
الخبير محمد حمزة الحسيني نفسه يؤكد أن هدف توطين صناعة الدواء يجب أن يكون تغطية احتياجات السوق المحلي وتقليل الواردات، لا تحويل المواطن إلى ممول دائم لأرباح رأسمالية محمية بالاحتكار وضعف الرقابة. لكن السياسات الحالية – بتيسير استثمارات ضخمة دون ربطها بشروط صارمة على التسعير والتوافر – تجعل شعار «توطين الدواء» مجرد واجهة لبيزنس كبير، لا لمشروع سيادي حقيقي.
الدواء ليس سلعة رفاهية: المرضى بين جشع السوق وتقصير الدولة
من جهة أخرى، يحذر الدكتور جمال شعبان، العميد السابق لمعهد القلب القومي، من التعامل مع الدواء بمنطق السلعة؛ فالمريض – خاصة مريض القلب والأمراض المزمنة – لا يملك رفاهية المقاطعة أو الانتظار، بل يُجبر على شراء الدواء بأي ثمن، ولو على حساب الغذاء واحتياجات الأسرة الأساسية. هذا الكلام يطابق ما يراه الأطباء والصيادلة يوميًا: مرضى يقسمون الجرعة على يومين بدلاً من يوم، أو يستغنون عن دواء ثانوي ظاهريًا لكنه جوهري على المدى البعيد.
مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية والوقائية محمد عوض تاج الدين نفسه حذّر من أن اضطراب سوق الدواء أو نقص المستحضرات الأساسية يهدد الأمن الصحي القومي مباشرة، وأكّد أن على الدولة أن توازن بين استدامة الصناعة وضمان وصول الدواء بسعر مناسب، خاصة في بلد يعتمد فيه ملايين المرضى على علاج مستمر لا ينقطع. هذه ليست رفاهية، بل مسألة حياة أو موت.
في الجهة المقابلة، يضيف الدكتور أحمد عبد ربه، أستاذ الاقتصاد الصحي، بُعدًا بنيويًا للأزمة حين يربطها بسنوات من ضعف الإنفاق العام على الصحة واعتماد الدولة على القطاع الخاص لسد الفجوات، محذرًا من أن تحميل المواطن تكلفة هذه الاختلالات عبر زيادات متكررة في الأسعار سيقود إلى نتائج اجتماعية وصحية كارثية، من اتساع فجوة العلاج بين الأغنياء والفقراء، إلى ارتفاع وفيات الأمراض المزمنة بسبب الانقطاع عن الدواء.
هنا تظهر أهمية صوت المجتمع المدني؛ فمدير المركز المصري للحق في الدواء محمود فؤاد كشف أن أسعار أكثر من ١٣٠ صنفًا دوائيًا استراتيجيًا ارتفعت خلال فترة قصيرة، رغم استقرار سعر الدولار، محذرًا من أن قرارات التسعير تتم دون شفافية كافية، وتحوّل الدواء عمليًا إلى سلعة تباع لمن يستطيع الدفع، بينما تُترك الأغلبية نهبًا للعجز أو البدائل الرديئة.
ما بعد ألف دواء: إصلاح جذري أم تسليم السوق للجشع؟
إذا كانت الحكومة جادة في اعتبار الدواء «أمنًا قوميًّا»، فعليها أن تتعامل مع مطالب رفع أسعار ألف مستحضر باعتبارها جرس إنذار لا مجرد «طلب تفاوضي». المطلوب ليس الرفض المطلق ولا القبول الأعمى، بل:
1. وضع آلية تسعير شفافة تربط بين أي زيادة وبين مؤشرات حقيقية: سعر الصرف، تكلفة الطاقة، الأجور، مقابل إلزام الشركات بسقوف ربحية معقولة، وضمان عدم استغلال الأزمات لتكديس المخزون ثم بيعه بسعر أعلى كما حدث في موجات سابقة.
2. دعم مباشر للأدوية الحيوية (القلب، السكر، الضغط، السرطان، أدوية الطوارئ)، بحيث تتحمل الدولة جزءًا من التكلفة من الموازنة، بدل ترك الفقراء وحدهم في وجه السوق.
3. تعزيز دور هيئة الدواء والرقابة على التسعير والنواقص، وربط أي ترخيص جديد أو حوافز استثمارية بالتزام واضح بتوفير حصة للسوق المحلي بسعر مناسب، لا أن تصبح المصانع الجديدة منصات للتصدير فقط.
4. زيادة الإنفاق العام على الصحة وإعادة الاعتبار لفكرة أن الدواء جزء من شبكة الحماية الاجتماعية، لا مجرد قطاع استثماري، وهو ما شدد عليه أكثر من خبير – من محمد حمزة الحسيني الذي يصف الدواء بأنه أمن قومي، إلى أحمد عبد ربه الذي يحذر من خصخصة التكلفة بالكامل على حساب المريض.
أما أن تستمر الحكومة في ترديد شعار «الدواء أمن قومي» بينما تسمح برفع متكرر للأسعار، مع إنفاق صحي عام متواضع، ومريض أسير لصيدلية لا ترحم، وشركات تطالب بمزيد من الزيادات بعد زيادات سابقة شملت آلاف الأصناف؛ فهذا ليس أمنًا قوميًا، بل وصفة مضمونة لتحويل المرض إلى امتياز طبقي، ولإشعال غضب اجتماعي قد يبدأ من شباك الصيدلية، وينتهي في قلب الشارع.

