في واحدة من أندر لحظات التململ العلني داخل جسد الدولة، خرج مجلس القضاء الأعلى ببيان يؤكد فيه أنه الجهة المختصة الوحيدة بتعيين القضاة وأعضاء النيابة وترقياتهم، وذلك بعد تداول أنباء عن نية «الأكاديمية العسكرية» التدخل في آليات الاختيار والترقية داخل النيابة العامة.
بيان يبدو رسميًّا وجافًّا في ظاهره، لكنه في مضمونه صفعة ناعمة لمحاولات تحويل القضاء إلى ملحق من ملحقات المؤسسة العسكرية، ويكشف عن مواجهة مكتومة بين السيسي وقضاة مصر حول آخر ما تبقّى من استقلال صوري للسلطة القضائية.
تسريبات عن «دورات عسكرية» للقضاة.. ونار تحت الرماد
خلال الأسابيع الماضية، تسرّبت معلومات من دوائر قضائية وإعلامية عن ترتيبات جديدة تقضي بمرور دفعات النيابة العامة عبر الأكاديمية العسكرية أو الأكاديمية الوطنية للتدريب، ليس فقط في شكل «دورات تأهيل»، بل كمرحلة حقيقية في مسار التعيين والترقية، بما يعني عمليًا أن «الباب الرئيسي للقضاء» يمر من بوابة المؤسسة العسكرية.
تقارير صحفية تحدّثت عن مقترح بإسناد مراجعة ملفات المرشحين للنيابة للأكاديمية، مع منحها دورًا في تقييم «الملاءمة الأمنية والسياسية» للمرشحين، في امتداد طبيعي لمسار بدأ منذ 2017 حين حصل السيسي بقوة القانون على حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية متجاوزًا قاعدة الأقدمية الراسخة.
هذا التصور أثار غضبًا صامتًا داخل قطاعات من القضاة، خاصة أن الجسم القضائي كان قد ابتلع على مضض تعديلات 2017 التي منحت الرئيس سلطة تعيين رؤساء محكمة النقض ومجلس الدولة وسائر الهيئات، بعد أن كانت «الجمعيات العمومية» هي صاحبة الكلمة العليا؛ واليوم يرى كثيرون أن نقل حلقة جديدة من حلقات التعيين إلى مؤسسة ذات طابع عسكري يعني الانتقال من «التسييس» إلى العسكرة الكاملة لمسار العدالة.
بيان مجلس القضاء الأعلى: دفاع عن النفوذ أم عن استقلال حقيقي؟
في هذا السياق انفجر بيان مجلس القضاء الأعلى، ليؤكد أن المجلس هو الجهة الوحيدة المختصة بشؤون تعيين القضاة وأعضاء النيابة وترقياتهم، وأن أي إجراءات لا تمر عبره لا سند لها في الدستور أو القانون.
ورغم اللغة «المهذّبة»، حمل البيان رسائل واضحة:
• أولًا، رفض أي دور لأي جهة «غير قضائية» في تحديد من يدخل النيابة العامة ومن يترقى داخلها، في إشارة مفهومة إلى الأكاديمية العسكرية.
• ثانيًا، تذكير ضمني بالمادة الخاصة باستقلال القضاء في الدستور، وبأن شؤون العدالة ينبغي أن تُدار من داخل الهيئات القضائية نفسها لا من مكاتب الأمن أو وحدات التدريب العسكري.
• ثالثًا، محاولة احتواء غضب القضاة الذين رأوا في التسريبات الأخيرة إهانة إضافية لسلطتهم المعنوية بعد سنوات من تقليص نفوذهم في التعيينات العليا.
بالتوازي، دعا نادي القضاة إلى اجتماعات تشاورية ودوائر مغلقة لمناقشة «ما يتردد عن ترتيبات جديدة تمس آليات الاختيار والترقية»، في إشارة إلى أن الجسم القضائي يشعر أن خطًّا أحمر جديدًا أصبح مهددًا.
لكن السؤال الأهم: هل يدافع المجلس هنا عن استقلال القضاء أم عن نصيبه من النفوذ في منظومة مغلقة تحكمها المحسوبيات والتوريث منذ سنوات؟ تقارير عديدة وثّقت أن أكثر من 60% من دفعات النيابة الأخيرة أبناء قضاة وضباط ومسؤولين، ما يعني أن «الاستقلال» نفسه مثقوب، وأن الخلاف اليوم ليس بين استقلال كامل وتبعية كاملة، بل بين قضاء وراثي وقضاء مُعسكر.
من قانون 2017 إلى «الأكاديمية العسكرية».. معركة على من يملك القضاء
منذ إقرار قانون تعديل تعيين رؤساء الهيئات القضائية عام 2017، دخلت علاقة السيسي بالقضاء مرحلة جديدة: الرئيس لم يكتف بدور المصدّق الشكلي، بل أصبح هو من يختار رؤساء محكمة النقض ومجلس الدولة وسائر الهيئات من بين قائمة أوسع، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية دولية «تهديدًا خطيرًا لاستقلال القضاء» وخرقًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
تبع ذلك:
• تعيين رؤساء لمجلس الدولة وهيئات قضائية أخرى على خلاف ترشيحات جمعياتها العمومية، كما حدث في أزمة المستشار يحيى الدكروري بعد حكم «تيران وصنافير».
• توسّع في استخدام القضاء كأداة سياسية عبر قضايا جماعية ومحاكم أمن دولة استثنائية وأحكام قاسية بحق معارضين وصحفيين ونشطاء.
• قرارات رئاسية متكررة بتعيينات جماعية في الهيئات القضائية، تجاهلت اعتراضات علنية وسرية من قضاة كبار.
اليوم، تدخل الأكاديمية العسكرية على الخط كمجرى إضافي لإعادة تشكيل القضاء «من البداية»؛ لا عبر اختيار الرؤساء فقط، بل عبر فلترة الأجيال الجديدة سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يراه قضاة ومراقبون خطوة نحو «قضاء ببدلة كاكي»، يُختار من يخدم الرواية الرسمية، ويُقصى من يحمل أي حس استقلالي أو حتى هامش مهني.
في المقابل، يحاول مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة، ولو متأخرين، رسم خط دفاع: ليس لأنهم فجأة اكتشفوا قدسية الفصل بين السلطات، بل لأن توسيع نفوذ الأكاديمية العسكرية يهدد أيضاً بنية النفوذ داخل القضاء نفسها؛ فبدل أن تبقى دوائر التعيين والترقية حكرًا على «نادي أبناء القضاة» والأجهزة السيادية، ستدخل جهة جديدة تنافس الجميع وتُعيد توزيع الكعكة.
في الخلاصة، بيان مجلس القضاء الأعلى ليس مجرد «توضيح إداري»، بل هو جزء من اشتباك طويل على من يملك مفاتيح العدالة في مصر:
• رئيس يريد قضاءً مطواعًا من القمة إلى القاعدة،
• وأجسام قضائية اعتادت أن تكون شريكًا في السلطة لا مجرد تابع،
• ومجتمع يدفع ثمن هذه المعارك على شكل أحكام مسيّسة، ومحاكمات استثنائية، وانهيار لثقة الناس في أي حديث عن استقلال أو دستور.
«المواجهة بين السيسي والقضاة» لم تبدأ بهذا البيان، ولن تنتهي به؛ لكنها تكشف أن مشروع عسكرة كل شيء — من الاقتصاد إلى الإعلام، والآن القضاء — بدأ يصطدم حتى بحلفاء الأمس داخل الدولة العميقة. السؤال لم يعد: هل القضاء مستقل؟ بل: لمن أصبح القضاء في خدمة من؟

