في مداخلة تليفزيونية حديثة، خرج متحدث وزارة الصحة بحكومة الانقلاب الدكتور حسام عبد الغفار ليطمئن المصريين بأن «معدلات الأخطاء الطبية في مصر أقل من المعدلات العالمية»، مستشهدًا بعمل لجنة المسؤولية الطبية وأرقام الشكاوى التي تتلقاها.

لكن هذه الطمأنة الرسمية تصطدم بواقع مغاير ترصده شكاوى الأهالي، وتقارير منظمات حقوقية، وجمعيات متخصصة في الدفاع عن ضحايا الإهمال الطبي، تؤكد أن ما يُعلن على الشاشات لا يعكس حجم ما يجري داخل غرف العمليات وأقسام الطوارئ والعناية المركزة في المستشفيات الحكومية والخاصة على السواء.

 

التقرير التالي لا يناقش «انطباعات»، بل يستند إلى شكاوى موثقة، وأرقام رسمية وحقوقية، تُحوِّل التصريح المطمئن إلى ادعاء بلا سند حقيقي، في بلد يشكو مواطنوه منذ سنوات من تكرار كوارث طبية تُغلق حياة ضحاياها إلى الأبد.

 

تصريح وردي… وأرقام تكشف حجم النزيف

 

وفق ما أعلنه متحدث الصحة نفسه، فإن اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تلقت منذ بدء عملها في 1 نوفمبر 2025 وحتى أواخر يناير 2026 نحو 430 شكوى متعلقة بادعاءات أخطاء طبية، وأحالت 42 قضية بالفعل إلى النيابة العامة بعد ثبوت وجود خطأ من الناحية الفنية بحسب اللجنة.

 

هذه الأرقام تعني ببساطة أن اللجنة تلقت في أقل من ثلاثة أشهر قرابة خمس شكاوى يوميًا، وهي شكاوى وصلت بالفعل إلى مرحلة التقديم الرسمي، في بلد يعرف الجميع فيه صعوبة حصول المريض على حقه، وحجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع آلاف الأسر إلى الصمت أو «الستر» بدلًا من اللجوء للقضاء.

 

الأخطر أن التصريح بكون المعدلات «منخفضة أو مساوية للعالمية» يأتي في بلد لا يمتلك حتى الآن نظامًا شفافًا وعلنيًا لإحصاء حوادث الإهمال الطبي بشكل دوري، ولا تُنشر فيه بيانات رسمية عن عدد الوفيات أو الإصابات الناتجة عن الأخطاء الطبية سنويًا، في حين تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مثل مصر، تسجل أعلى نسب الأذى الناتج عن الرعاية الصحية غير الآمنة، مع وقوع 134 مليون حدث ضار و2.6 مليون وفاة سنويًا في هذه الدول وحدها.

 

فكيف تُقارن مصر بـ«المعدلات العالمية» بدون مؤشرات وطنية منشورة وشفافة، في حين تؤكد الأدبيات الدولية نفسها أن دولًا في نفس الشريحة الاقتصادية تسجل عادةً معدلات أعلى من الأخطاء والأحداث الضارة، لا أقل؟

 

من «نورزاد» إلى «العريس الوحيد»… وجوه بشرية خلف الأرقام

 

وراء كل رقم في شكاوى اللجنة أو المحاكم قصة إنسانية ثقيلة. في يوليو 2025، تصدرت إلى واجهة النقاش قضية الفتاة نورزاد، ضحية الإهمال الطبي في مستشفى النزهة.

 

التقرير الطبي أشار إلى أن الطبيب تسبب في ثقب بالمعدة/الإثنى عشر، مع تأخر المستشفى في التدخل الجراحي والإنقاذ، ما أدى إلى تدهور حالتها ودخولها في سلسلة من العمليات والرعاية المركزة انتهت بوفاتها، بينما خرجت الأسرة للإعلام تسأل: من يحاسب؟


 

في حالة أخرى، روت والدة شاب «ابنها الوحيد» في فيديو متداول تفاصيل وفاته داخل مستشفى بمصر الجديدة، بعد ما تصفه بجرعة تخدير زائدة، كان قد دخل المستشفى وهو يعاني من صداع، ليخرج جثة، وتخرج أمه إلى الصحافة وهي تقول: «ابني كان عريس وراح مني بسبب بنج زيادة»، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الإهمال.


 

هذه ليست وقائع فردية معزولة.

ففي حادثة سابقة وثّقتها تقارير صحفية، فقد 13 مواطنًا بصرهم نتيجة حقن عينيهم بمستحضر ملوث أو غير مطابق للمواصفات، بينما سبق تلك الكارثة وفاة أربعة أطفال وإصابة 26 آخرين بعد تلقي محلول معالجة جفاف غير مطابق في مستشفيات بني سويف.


 

هذه النماذج لا تعكس فقط «أخطاء واردة الحدوث» كما تحب اللغة الرسمية أن تصفها، بل نمطًا متكررًا من سوء التعقيم، وسوء اختيار الأدوية والمحاليل، وتأخير التدخل الجراحي، وتهوين شكاوى المرضى وأسرهم حتى تتحول الأعراض البسيطة إلى كوارث لا رجعة فيها.


 

ولا يقتصر الأمر على المستشفيات المدنية؛ فبحسب لجنة العدالة، وهي منظمة حقوقية تراقب أوضاع أماكن الاحتجاز، تم توثيق 296 حالة وفاة في السجون وأماكن الاحتجاز في مصر بين 2020 و2024 مرتبطة بالإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الصحية، إلى جانب 533 حالة إهمال طبي و1319 حالة حرمان من العلاج المناسب، ما يعني أن الإهمال الطبي جزء من أزمة أوسع في منظومة الرعاية، وليس حادثًا عرضيًا. 

 

أرقام المنظمات والضحايا: صورة مغايرة تمامًا لـ«الحدود العالمية»

 

منذ أكثر من عقد، حذرت الجمعية المصرية للدفاع عن ضحايا الإهمال الطبي من أن ما يظهر على السطح ليس سوى جزء من جبل الجليد. ففي تقرير صادر عنها أواخر 2013، قدّرت الجمعية أن مصر تشهد نحو 2100 وفاة سنويًا بسبب الإهمال الطبي، وأن النيابة العامة تنظر في حوالي 900 قضية إهمال طبي سنويًا، بمعدل ثلاث قضايا يوميًا، إلى جانب حوالي 1200 شكوى تتلقاها وزارة الصحة سنويًا ضد أطباء، أي 100 شكوى شهريًا.

 

إذا كانت هذه التقديرات تعود لعشر سنوات مضت، فإن غياب تحديث دوري وشفاف للأرقام من جانب الدولة لا يعني تحسن الأوضاع، بل يعكس اختيارًا سياسيًا بعدم إتاحة البيانات للرأي العام، بينما تستمر القصص الإنسانية في التسرب من بوابات المستشفيات وأروقة المحاكم.

 

في المقابل، تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن دول إقليم شرق المتوسط – الذي تنتمي إليه مصر – تسجل أن حتى 18% من الدخولات للمستشفيات ترتبط بأحداث ضارة، 80% منها يمكن تجنبه، ما يعني أن الادعاء بأن مصر «أقل من المعدلات العالمية» يتجاهل السياق الإقليمي والعلمي الذي يضع دولًا مشابهة في مقدمة الدول المتضررة من الرعاية غير الآمنة.

 

الواقع أن الصورة المتشكلة من شكاوى الأهالي، وتقارير الجمعيات الحقوقية، والأرقام التاريخية للجمعية المتخصصة في ضحايا الإهمال الطبي، تجعل من الصعب تصديق خطاب رسمي مطمئن، لا يستند إلى قاعدة بيانات منشورة ولا مؤشرات مستقلة، في وقت تتراكم فيه الوقائع والقصص عن ضحايا فقدوا أعينهم، أو أطرافهم، أو حياتهم بالكامل بسبب خطأ يمكن منعه. 

 

المطلوب شفافية وعدالة.. لا مزيد من «التهوين»

 

ما يقوله متحدث الصحة اليوم ليس مجرد جملة عابرة في برنامج تلفزيوني؛ بل هو رسالة سياسية واضحة مفادها أن «كل شيء تحت السيطرة». لكن حين تواجه هذه الرسالة بشهادات الأمهات والآباء، وبالأرقام التي رصدتها منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، تتبدى فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي وواقع غرف العناية المركزة.

 

تقرير توثيقي كهذا لا يهدف إلى شيطنة الأطباء، الذين يعمل قطاع واسع منهم في ظروف قاسية وبأجور وظروف عمل متدهورة، وإنما إلى التأكيد أن أول خطوة نحو تحسين سلامة المرضى هي الاعتراف بحجم المشكلة، لا تجميلها. من دون شفافية في نشر أرقام الأخطاء الطبية، ومن دون إنصاف حقيقي للضحايا، سيظل كل تصريح رسمي عن «معدلات أقل من العالمية» مجرد محاولة لطمس الألم لا لعلاجه.