تشهد سوق الذهب والفضة واحدة من أعنف موجات الاضطراب السعري في تاريخها الحديث، بعدما واصلت أسعار الذهب قفزاتها المتسارعة، مسجلة مستويات غير مسبوقة أربكت حسابات المستهلكين والصناع على حد سواء، وأعادت رسم خريطة الطلب وأنماط الشراء داخل محال الصاغة في مختلف المحافظات.

 

وخلال تعاملات اليوم، تصدر الجنيه الذهب المشهد، بعدما سجل سعر بيعه نحو 56 ألفًا و640 جنيهًا، وهو أعلى مستوى تاريخي يبلغه في سوق الصاغة المصرية، مدفوعًا بالارتفاع الكبير في سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا بين المصريين، والذي تخطى حاجز 7 آلاف جنيه ليسجل قرابة 7080 جنيهًا في منتصف التعاملات.

 

وامتدت الموجة الصعودية إلى باقي الأعيرة، إذ بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 8091 جنيهًا، فيما سجل عيار 18 حوالي 6068 جنيهًا، ووصل عيار 14 إلى قرابة 4720 جنيهًا، في قفزات متزامنة تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها السوق المحلي.

 

ارتباط وثيق بالأسواق العالمية

 

ويأتي هذا التسعير القياسي في ظل حالة من الانفلات السعري في البورصات العالمية، حيث تواصل أوقية الذهب التحليق قرب مستوى 5300 دولار، بحسب أحدث مؤشرات وكالة «بلومبرج»، مدفوعة بمخاوف التضخم العالمي، وتزايد الإقبال على الذهب كملاذ آمن في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

 

وانعكست هذه التطورات العالمية مباشرة على السوق المحلية، التي تعاني أصلًا من ضغوط مزمنة مرتبطة بتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية، ما فاقم من تآكل القوة الشرائية لغالبية المواطنين.

 

تراجع القدرة الشرائية وتبدل أنماط الاستهلاك

 

وأدت الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب إلى تراجع واضح في القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الشباب المقبلين على الزواج، مع تسجيل تحول لافت في طبيعة الطلب ونوعية المعروض داخل محال الصاغة.

 

ولم يعد الذهب مجرد أداة للزينة أو تقليد اجتماعي راسخ، بل تحول إلى مؤشر يومي يعكس عمق الأزمة الاقتصادية وضغوط المعيشة، ومرآة لتغير سلوك المستهلكين في ظل واقع اقتصادي ضاغط.

 

وفي هذا السياق، أكدت شعبة الذهب بالغرفة التجارية أن السوق لا يعاني نقصًا في المعروض، رغم القيود المفروضة على استيراد الذهب خلال الأشهر الماضية، مشيرة إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في الاختلال المتزايد بين مستويات الأسعار والدخول.

 

وقال رئيس الشعبة، لطفي منيب، في بيان صحافي، إن ارتفاع الأسعار إلى هذه المستويات غير المسبوقة تجاوز قدرة شريحة واسعة من المستهلكين، لا سيما الشباب، ما أدى إلى تراجع الإقبال على المشغولات الذهبية التقليدية، مقابل زيادة الطلب على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها أدوات ادخار أكثر مرونة وأقل تكلفة من حيث المصنعية.

 

سوق في حالة ترقب

 

وأوضح منيب أن السوق يعيش حالة من الترقب، مع إرجاء كثير من المستهلكين قرارات الشراء انتظارًا لأي تصحيح سعري محتمل، في وقت باتت فيه قرارات الاقتناء أكثر حذرًا وحسابًا للخسائر المحتملة عند إعادة البيع.

 

وفي منطقة وسط القاهرة، التي تعد القلب النابض لصناعة المشغولات الذهبية والفضية، رصد تجار وصناع اتجاهًا متزايدًا نحو إنتاج المشغولات الخفيفة ذات الأوزان الصغيرة، والتصميمات منخفضة المصنعية، إلى جانب التركيز على الجنيهات الذهبية والسبائك الصغيرة.

 

ويرجع المصنعون هذا التحول إلى التراجع الحاد في الطلب على الأطقم الثقيلة، واكتفاء عدد متزايد من الأسر بهدايا زواج بسيطة، مثل خواتم العرس، والحلقان، و«الإنسيال»، التي لا يتجاوز وزن القطعة الواحدة منها في الغالب 10 جرامات.

 

تعديل خطط التصنيع

 

وبحسب أحد أصحاب المصانع الصغيرة في سوق الصاغة، اضطرت معظم الورش إلى تعديل خطوط إنتاجها والتركيز على الأوزان الأخف، بما يتناسب مع القدرات الشرائية المتآكلة للمستهلكين، مع بقاء عدد محدود فقط من المصانع المتخصصة في تصنيع المشغولات الثقيلة، التي باتت حكرًا على فئات محدودة من القادرين.

 

وأشار إلى أن قرار شراء الذهب لم يعد مرتبطًا بالزينة أو المناسبات الاجتماعية فقط، بل أصبح مدفوعًا في الأساس باعتباره ملاذًا ادخاريًا أو أصلًا يمكن تسييله مستقبلًا بأقل خسائر ممكنة، في ظل تقلبات اقتصادية متسارعة.

 

الفضة.. بديل اضطراري

 

وفي موازاة ذلك، ورغم حذر المستهلكين من تقلبات أسعار الفضة وعدم اعتمادها الكامل كملاذ ادخاري آمن، تشهد محال الصاغة إقبالًا متزايدًا على شراء سبائك الفضة والمشغولات الثقيلة منها.

 

ويصف الطبيب محمد سيد أحمد، أحد المتعاملين في سوق الفضة بمنطقة الجيزة، هذا الاتجاه بأنه «خيار بديل لفئات واسعة من المستهلكين، سواء للادخار محدود القيمة أو كهدايا للمناسبات»، مستندًا إلى انخفاض السعر النسبي للفضة مقارنة بالذهب، فضلًا عن توقعات باستمرار صعودها عالميًا خلال الأشهر المقبلة.

 

تقاليد الزواج أمام اختبار صعب

 

وتضع القفزات القياسية في أسعار الذهب تقاليد الزواج أمام اختبار حقيقي، في ظل إصرار كثير من الأسر على شراء «شبكة» العروس من الذهب، ما دفع البعض إلى تقليص وزن الشبكة، أو استبدال المشغولات بالجنيهات الذهبية، أو حتى تأجيل الشراء إلى أجل غير مسمى انتظارًا لاستقرار الأسواق.

 

وفي حالات أخرى، يلجأ محدودو الدخل إلى ما يُعرف بـ«الذهب القشرة»، المصنوع من النحاس والمطلي بطبقة رقيقة من الذهب، كحل مؤقت يوازن بين الضغوط الاقتصادية والحفاظ على الشكل الاجتماعي للتقاليد.