أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، وهو الشرطي في وحدة “ياسام” الخاصة ران غويلي (24 عامًا)، بعد عملية بحث مكثفة في إحدى المقابر شرقي غزة، استندت إلى معلومات استخبارية وتنسيق مع الطب الشرعي والحاخامية العسكرية.
بهذا الإعلان، أعلن الجيش إغلاق ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة رسميًا، معتبرًا أن استعادة رفات غويلي تعني اكتمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وفق الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما سارعت حركة حماس إلى التأكيد على أن ما جرى دليل عملي على التزامها الكامل ببنود الاتفاق و“وقف الحرب على غزة”.
إغلاق ملف الأسرى وسقوط ذريعة التصعيد
في قراءته السياسية للحدث، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعادة جثة غويلي بوصفها “إنجازًا غير مسبوق”، قائلًا: “كما وعدتكم.. أعدنا الجميع”، في إشارة إلى أن الحكومة أوفت بوعدها لعائلات المحتجزين بإعادتهم جميعًا أحياءً أو أمواتًا. كما كرر وزير الدفاع يسرائيل كاتس المعنى نفسه بقوله: “وعدنا ووفينا حتى آخر رهينة”.
غير أن إغلاق ملف الأسرى يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا تبقّى من مبررات استمرار الخروقات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، بعد أن استُخدم ملف الرهائن لفترة طويلة كذريعة لتبرير الضغط الميداني وتعطيل استحقاقات الاتفاق، خاصة في ما يتعلق بتخفيف الحصار، وتسهيل دخول المساعدات، ووقف الاستهداف المتكرر للمدنيين في القطاع؟
وفق مراقبين، فإن اكتمال إعادة الأسرى – وفق الرواية الإسرائيلية – يسقط واحدة من أبرز الأوراق التي لوّح بها نتنياهو داخليًا وخارجيًا لتبرير تشدد حكومته، ويضعها الآن تحت مجهر جديد: هل ستتجه إلى تنفيذ ما تبقّى من التزامات الاتفاق، أم ستنتقل إلى خطاب جديد يركّز على “نزع سلاح حماس” وتكريس واقع أمني جديد في غزة بدل إعمارها؟
عملية ميدانية في مقابر غزة: بين “استعادة رفات” واتهامات بالعقاب الجماعي
على المستوى الميداني، كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن عملية البحث عن جثة غويلي استمرت نحو 48 ساعة، وانتهت بالعثور على الرفات بعد فحص ما يقارب 250 جثمانًا في مقبرة الشجاعية – البطش شرقي غزة، قبل أن تُستكمل الفحوص الرسمية للتأكد من هوية الجثمان. كما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الجثة كانت مدفونة ضمن قبر جماعي يضم عشرات الجثامين الفلسطينية.
تقارير ميدانية وصور أقمار صناعية رصدتها “الجزيرة” أظهرت تجريفًا واسعًا في محيط المقبرة وحي التفاح، مع قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف، أدى إلى استشهاد شاب فلسطيني وإصابة عدد من المدنيين، ونزوح عائلات من المنطقة خلال سير العملية، في مشهد أعاد إلى الأذهان سياسة “العقاب الجماعي” التي اتُّهم بها الجيش الإسرائيلي مرارًا خلال سنوات الحصار والعدوان على غزة.
بهذا المعنى، لم تكن استعادة رفات غويلي مجرد خطوة “إنسانية” كما تحاول المؤسسة العسكرية تسويقها، بل جزءًا من عملية عسكرية أوسع، تحمل بصمات القوة المفرطة واستخدام التفوق الناري داخل مناطق مدنية مكتظة، ما يفتح الباب أمام أسئلة قانونية وأخلاقية حول كلفة هذه العمليات على حياة الفلسطينيين، مقارنة بهدفها المعلن.
حماس والاتفاق: التزام معلن وانتظار لاختبار الاحتلال
في المقابل، سارعت حركة حماس إلى استثمار الحدث سياسيًا؛ إذ أكدت في بيان رسمي أن العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي “يؤكد التزامها بكل متطلبات اتفاق وقف الحرب على قطاع غزة”، مشددة على أنها أوفت بكافة البنود المتعلقة بالأسرى، وأنها مستمرة في الالتزام ببقية الجوانب، وعلى رأسها تسهيل عمل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” وإنجاحها.
الحركة دعت الوسطاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، إلى إلزام إسرائيل بوقف خروقاتها المتكررة للهدنة، وتنفيذ الاستحقاقات السياسية والإنسانية للاتفاق، بما في ذلك إعادة فتح معبر رفح، وتوسيع دخول المساعدات، وبدء مسار إعادة الإعمار بشكل جاد. فخلال الشهور الماضية، ربطت إسرائيل صراحة بين استعادة جثة غويلي وبين إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح، في ضغط مباشر على سكان القطاع وربطٍ متعمد بين ملف إنساني بحت وملف أمني – سياسي.
تزامنًا مع ذلك، كشفت تقارير إسرائيلية عن زيارة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لتل أبيب، لبحث “الخطوات التالية” في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وسط تسريبات عن ضغوط أميركية لإعادة فتح المعبر خلال الفترة المقبلة، بعد أن سيطر عليه الجيش الإسرائيلي في مايو/أيار 2024 ودمّر منشآته خلال العملية البرية في رفح.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العثور على جثة ران غويلي ليس مجرد نهاية لملف فردي، بل نقطة تحوّل في مسار اتفاق شامل ما زال يتأرجح بين نص مكتوب وواقع ميداني متفجر؛ حماس تقول إنها سلّمت كل ما عليها، وتضع “الكرة في ملعب الاحتلال”، بينما حكومة نتنياهو تحاول أن تحوّل لحظة إغلاق ملف الأسرى إلى منصة سياسية جديدة للانتقال من خطاب “إعادة الرهائن” إلى مشروع “نزع السلاح”، في معركة عنوانها المعلن الأمن، لكن ثمنها الحقيقي يدفعه سكان غزة المحاصرون.

