تحوّل محيط سجن وورموود سكرابز في غرب لندن إلى ساحة اشتباك سياسي وحقوقي، بعد أن اعتقلت الشرطة البريطانية 86 متظاهرًا خرجوا لدعم الناشط الفلسطيني في منظمة Palestine Action، محمد/عمر (محمد عمر) خالد، المضرب عن الطعام منذ أكثر من أسبوعين احتجاجًا على احتجازه وحظر المنظمة التي ينتمي إليها. الشرطة تتحدث عن “اقتحام لحرم السجن وتهديد للضباط”، بينما تتهم منظمات داعمة لفلسطين الحكومة والشرطة باللجوء إلى “قمع مفرط” لتكميم أي اعتراض على تصنيف Palestine Action كـ“منظمة إرهابية”، في سابقة خطيرة تطال حق الاحتجاج السلمي نفسه.

 

من وورموود سكرابز إلى الشارع: حملة تضامن تنتهي بـ 86 معتقلًا

 

بحسب بيان شرطة العاصمة لندن، فقد تم توقيف 86 شخصًا مساء السبت بعد أن “اقتحمت مجموعة من المتظاهرين حرم سجن وورموود سكرابز، ورفضت المغادرة عند الطلب، ومنعت موظفي السجن من الدخول والخروج، وهددت ضباط الشرطة”، كما تمكن عدد منهم – وفق الرواية الرسمية – من الوصول إلى منطقة مدخل الموظفين داخل مبنى تابع للسجن. ووجّهت الشرطة لهم تهم “التعدي المشدد على الممتلكات” (aggravated trespass)، مع التلويح باعتقالات إضافية لاحقة.

 

وزارة العدل البريطانية سارعت إلى التأكيد أن “أمن السجن لم يتأثر في أي وقت”، لكنها وصفت ما جرى بأنه “تصعيد غير مقبول”، مع العبارة المعتادة: “ندعم الاحتجاج السلمي، لكن التهديدات والتعدي على الممتلكات أمر مرفوض”. في المقابل، تؤكد المنظمات الداعمة للأسرى الفلسطينيين أن الاحتجاج كان سلميًا، وأن الشرطة هي من لجأت إلى “القوة المفرطة”، مستشهدة بمقاطع فيديو أظهرت التدخل العنيف وعمليات الاعتقال الجماعي وسط هتافات المتظاهرين المطالبين بحماية حياة خالد.

 

خالد، البالغ من العمر 22 عامًا، يعاني – بحسب منظمة “سجناء/أسرى من أجل فلسطين” – من ضمور في عضلات الحزام الطرفي، وهو في حالة صحية شديدة الخطورة بعد إضراب طويل عن الطعام، وصل إلى أكثر من 16–17 يومًا متواصلة في مرحلته الحالية، بعد أن كان قد أضرب سابقًا ثم أوقف إضرابه مؤقتًا بسبب تدهور حالته. وهو واحد من مجموعة من النشطاء المحبوسين على ذمة ما عُرف بـحملة Prisoners for Palestine التي تضم معتقلين من Palestine Action في عدة سجون بريطانية.

 

الاتهامات الموجهة إلى خالد تشمل اقتحام قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في بريز نورتون في سياق عمل مباشر منسوب لـ Palestine Action، تضمن – وفق ملف القضية – تشويه طائرتين عسكريتين بالطلاء الأحمر ورفع علم فلسطين على المدرج، في رسالة احتجاج على تورّط بريطانيا في تسليح إسرائيل. خالد ينفي التهم، ويطالب – عبر إضرابه – بالإفراج عنه بكفالة، وتحسين ظروف احتجازه، ووقف استهداف منظمات التضامن مع فلسطين.

 

من الاحتجاج إلى “الإرهاب”: حظر Palestine Action وتضييق مساحة التضامن

 

احتجاج وورموود سكرابز لا يمكن فصله عن قرار الحكومة البريطانية في يوليو/تموز 2025 بتصنيف Palestine Action منظمة إرهابية بموجب قانون الإرهاب لعام 2000، بعد سلسلة من عمليات العصيان المدني والاقتحامات التي استهدفت شركات سلاح مرتبطة بإسرائيل، أبرزها Elbit Systems وقاعدة بريز نورتون.

 

هذا التصنيف، الذي مرّ عبر تصويت في مجلس العموم وموافقة لاحقة في مجلس اللوردات، يعني أن:

 

مجرد الانتماء للمنظمة أو جمع التبرعات لها،

 

أو حتى “إبداء تأييد لها أو ارتداء/حمل ما يُفهم منه دعمها”،

 

بات يُعد جريمة قد تصل عقوبتها إلى 14 عامًا من السجن، وفق تفسير الحكومة لقانون الإرهاب. ومنذ دخول الحظر حيز التنفيذ مطلع يوليو/تموز الماضي، جرى اعتقال آلاف الأشخاص بتهم تتراوح من إبداء الدعم في لافتة أو شعار، إلى المشاركة في وقفات تضامنية مع النشطاء المعتقلين.

 

منظمات حقوقية دولية – بينها خبراء أمميون ومنظمات كأمنستي – حذّرت من أن استخدام تشريعات الإرهاب ضد مجموعة احتجاجية تمارس في الأساس تخريب الممتلكات والاعتصامات والاقتحامات الرمزية، هو “توسّع خطير في تعريف الإرهاب” ويمثّل تجريمًا مباشرًا للاحتجاج السياسي. فالقانون البريطاني يساوي اليوم – عمليًا – بين تنظيمات نفّذت مجازر بحق المدنيين كـ“القاعدة” و“داعش”، وبين مجموعة ناشطين رشّوا طلاءً أحمر على طائرات ومنشآت عسكرية للتنديد بتصدير السلاح لإسرائيل.

 

في هذا السياق، لا يبدو أن خالد وحده هو المستهدف، بل الرسالة أوسع: كل من يجرؤ على تحويل الغضب من حرب غزة ومن شبكة تجارة السلاح إلى أفعال عصيان مدني منظَّم، سيتم التعامل معه كـ“إرهابي”، لا كمحتج سياسي، فيما يُطلب من بقية المتضامنين أن يكتفوا بالشعارات واللافتات داخل حدود الضوابط التي تضعها الشرطة.

 

معركة على معنى “الاحتجاج السلمي”: خالد رمزًا لاختبار الحريات في بريطانيا

 

منظمة “سجناء من أجل فلسطين” ومنصات داعمة للحملة اعتبرت ما جرى أمام وورموود سكرابز “رد فعل عنيفًا وغير متناسب” من الشرطة، مشيرة إلى أن المتظاهرين جاؤوا للمطالبة بضمانات مكتوبة بشأن معاملة خالد، وباحترام حقه في التواصل مع محاميه وعائلته، وبحماية حياته في ظل وضعه الصحي الحرج. مقاطع الفيديو التي نشرتها قناة الجزيرة وناشطون على مواقع التواصل أظهرت مشاهد تدافع واعتقالات جماعية، وسط هتافات “حرروا عمر/أومر خالد”، ما يعزز سردية المحتجين بأنهم تعرضوا لـ“قمع وقائي” خشية تصاعد الضغط الشعبي.

 

في المقابل، تصر وزارة العدل على أن السجناء المضربين عن الطعام يخضعون لـ“مراقبة طبية دقيقة، وفحوص منتظمة، ونقل إلى المستشفى عند الضرورة”، في محاولة لطمأنة الرأي العام بأن حياة خالد ليست في خطر، وأن الدولة لا تكرر سيناريوهات تاريخية قاتمة مع المضربين عن الطعام. لكن منظمات التضامن ترى أن جوهر المشكلة ليس فقط طبّيًا، بل سياسيًا وقانونيًا:

 

حبس نشطاء على ذمة قضايا تتعلق باحتجاجات سياسية لمدد طويلة،

 

تجريم أشكال العصيان المدني بوصفها “إرهابًا”،

 

وتضييق الخناق على كل من يرفع شعارًا أو لافتة تقول إنه يدعم Palestine Action.

 

بهذا المعنى، تحول محمد/عمر خالد إلى ما يتجاوز شخصه وقضيته القانونية؛ أصبح اختبارًا حيًّا لمساحة الحرية المتبقية في بريطانيا لمن يعارض سياسة حكومته في تسليح إسرائيل، ولمن يعتقد أن مقاومة الإبادة في غزة لا يجب أن تتوقف عند حدود الهتاف.

 

سواء انتهى إضراب خالد باتفاق أو بتصعيد أخطر، فإن صور المتظاهرين المصفّدين أمام أسوار وورموود سكرابز ستبقى شاهدًا على لحظة فارقة: لحظة اختارت فيها الدولة أن تعالج أزمة أخلاقية وسياسية باستخدام تهمة “الإرهاب”، بدل أن تجيب عن سؤال أبسط بكثير: لماذا يُعامل الناشطون الذين يسكبون طلاءً أحمر على طائرات الموت، وكأنهم هم من ضغطوا على الزناد؟