لم يكن ظهور دونالد ترامب في دافوس وهو يتحدث بحماسة عن “شريان حياة أي شعب” في إشارة إلى نهر النيل، إعلانًا مفاجئًا لاكتشاف متأخر، بقدر ما كان – في نظر كثير من الخبراء – محاولة مكشوفة للدخول على خطّ سدّ النهضة كورقة مساومة سياسية في ملفات أوسع: غزة، ليبيا، وترتيبات الإقليم مع حلفائه في المنطقة.
فبينما منح عبد الفتاح السيسي ترامب “قلادة النيل” في وقت سابق، وأعاد في دافوس الترحيب بالوساطة الأميركية دون وضع شروط واضحة أو خطوط حمراء، كان مراقبون ومحللون مصريون وسودانيون يقرأون المشهد من زاوية مختلفة تمامًا:
رئيس أميركي دعمت إدارته تمويل السد، ثم عاد اليوم ليتحدث عن خطورة ما موّله، ويعرض التوسط في أزمة خلقها هو وحلفاؤه، مع احتمال أن تتحول هذه الوساطة إلى مدخل لإعادة توزيع حصص مياه النيل، لا لحماية الحقوق التاريخية لمصر والسودان.
وساطة أم صفقة على حصّة مصر التاريخية؟
منذ اللحظة الأولى، قرأ كثيرون مبادرة ترامب على أنها “مساومة سياسية” متأخرة لا “وساطة محايدة”.
الكاتب عمرو صالح، في مقاله على مصراوي، أشار إلى أن تصريحات ترامب في دافوس أثارت جدلًا واسعًا، معتبرًا أن العرض الأميركي يفتقر إلى أي آلية قانونية ملزِمة، ولا يستند إلى الاتفاقيات السابقة التي نظمت حقوق دولتي المصب، وفي مقدمتها اتفاقية 1959. ترامب تحدث عن “شريان حياة”، لكنه لم يتحدث عن التزام مكتوب يمنع العبث بهذا الشريان.
الخبير وائل القمحاوي ركّز على نقطة أشد خطورة: السد اكتمل بنسبة 99%، وأثيوبيا ملأته بالفعل وتفتح وتغلق وفق إرادتها؛ ما يعني أن أي وساطة الآن تأتي بعد أن صار السد “واقعًا جغرافيًا وسياسيًا” على الأرض. مصر والسودان لم يعودا يتفاوضان على بناء من عدمه، بل على إدارة تشغيل وإعادة ملء تحت سيف الأمر الواقع. في هذا السياق، تصبح الوساطة الأميركية ورقة ضغط على القاهرة لقبول “حلول وسط”، لا ضمانًا لحقوق تاريخية.
تقارير عربي بوست تعكس بدورها هذه المخاوف؛ فالقاهرة – رغم ترحيبها المبدئي بالدعم الأميركي – تدرك أن خطاب ترامب “المطّاط” يتجاهل عمدًا الأسس القانونية السابقة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة: تقسيم جديد للمياه، تسليع مورد الحياة، أو فرض صيغة تخدم مصالح واشنطن وتل أبيب في القرن الأفريقي، على حساب مصر والسودان.
قلادة النيل لترامب… ومياه النيل تحت رحمة السدّ
المفارقة الصارخة ظهرت في التعليقات على منح السيسي لترامب “قلادة النيل”. الباحث في الشأن العسكري محمود جمال (@mahmoud14gamal) يرى أن الرجل الذي يُفترض أن يُسأل عن دعمه لإسرائيل في حرب غزة وتزويدها بالسلاح، لا أن يُكرَّم على ملف النيل، خصوصًا وأن واشنطن نفسها ساهمت في تمويل سد النهضة الذي يهدّد هذا النيل.
جمال يتهكم على أن ترامب “اكتشف فجأة” أن النيل ليس مجرّد نهر صغير بجوار الأهرامات، بل شريان حياة مهدَّد بسد عملاق موّله الغرب. هذا التناقض بين السياسات الأميركية على الأرض، وخطاب “الوسيط الحريص على النيل” على المنصّة، يجرّد الوساطة من أي صدقية.
الصحفي السوداني مكاوي الملك (@Mo_elmalik) يذهب أبعد؛ فهو يرى أن تصريحات ترامب ليست اكتشافًا للنيل بقدر ما هي إعلان عن نهاية الوهم الأميركي–الإسرائيلي. تمويل السد – في نظره – لم يكن خطأ تكتيكيًا، بل “جريمة سياسية مخططة”، وها هي واشنطن نفسها تعجز اليوم عن التحكم في تداعياتها، بعد أن أنتجت سلاحًا مائيًا في يد أديس أبابا يُمسك برقاب دول المصب.
من جهته، نقل محمد مرعي (@mar3e) مقاطع مطولة من كلام ترامب في دافوس؛ حيث وصف السد بأنه من أكبر سدود العالم، يمنع مياه النيل التي اعتمد عليها المصريون آلاف السنين، وتفاخر بأنه كان قريبًا من اتفاق في ولايته الأولى قبل الانتخابات. هذا الخطاب يعكس إدراكًا متأخرًا لحجم الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يوظَّف داخليًا في سياق حملته الانتخابية، أكثر مما يعبّر عن حرص حقيقي على حقوق المصريين.
أما عائشة السيد (@aishaalsayed9) فسلّطت الضوء على حرارة لقاء ترامب–السيسي في دافوس؛ حيث بالغ ترامب في الإشادة بالسيسي ووصفه بالقائد العظيم، ثم اعترف في الوقت ذاته بأن الولايات المتحدة ساهمت في تمويل السد. هذا الاعتراف يعرّي الوساطة أمام الرأي العام: طرف موّل الأزمة، ثم يطالب أن يكون قاضيًا فيها، ويُستقبَل في القاهرة كـ“منقذ من عطش النيل”.
من أزمة نيل إلى انهيار شامل في الأمن القومي المصري
الوساطة الأميركية لا تأتي في فراغ؛ بل في سياق منظومة أوسع من السياسات التي أفقدت مصر أوراق قوتها.
الصحفي نظام المهداوي (@NezamMahdawi) يربط بين توقيع السيسي على “إعلان المبادئ” وبين ما يسميه “التنازل العملي عن النيل”، ضمن سلسلة تنازلات حوّلت مصر إلى “مسخ سياسي” تابع لقوى إقليمية.
في نظره، جيل الشباب المصري (جيل Z) لن يقبل بهذه النهاية؛ تراكم القهر والديون والتفريط سيقود إلى انفجار شعبي عاجلًا أو آجلًا، ليصبح ملف النيل جزءًا من أزمة أعمق في الحكم والسيادة لا مجرد نزاع فني على قواعد الملء والتشغيل.
الإعلامي شريف منصور (@Mansour74Sh) يقدّم الصورة كاملة: بعد 12 عامًا من حكم السيسي، فقدت مصر أمنها الطاقوي وأصبحت تستورد الغاز من عدوها، بينما باتت مياه النيل تحت قبضة إثيوبيا. في الوقت نفسه تغرق البلاد في ديون قياسية وتبيع أصولها الاستراتيجية، مع تآكل دورها الإقليمي وتضخم نفوذ عواصم أخرى تتعامل مع القاهرة كطرف ثانوي.
في هذا الإطار، تبدو أزمة النيل عرضًا لأزمة أوسع في الأمن القومي المصري، لا حادثًا منفصلًا يمكن علاجه بوساطة سريعة في دافوس.
هكذا، حين يعلن ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم 22 يناير 2026 أن الأزمة “صعبة للغاية” وأنه يسعى لجمع السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا للتوصل إلى اتفاق، فإن كثيرًا من المراقبين لا يسمعون كلمات “الحرص على النيل”، بقدر ما يسمعون صوت صفقة جديدة تُطبخ فوق رأس الشعب المصري والسوداني.
وساطة بلا إطار قانوني ملزم، بلا اعتراف حقيقي بالحقوق التاريخية، وبلا مراجعة لمسؤولية واشنطن عن الكارثة منذ لحظة التمويل، ليست إلا جسرًا إلى تقسيم جديد للمياه، وربما إعادة رسم لموازين القوة في وادي النيل على حساب الطرف الأضعف.
في النهاية، السؤال لم يعد: هل ينجح ترامب في “حل أزمة السد” أم لا؟
السؤال الأخطر: هل تقبل القاهرة أن تتحول مياه النيل – آخر خطوط الأمان الوجودي – إلى بند في مفاوضات سياسية يديرها رجل منحته قلادة النيل، بينما يحمل هو في حقيبته مفاتيح الضغط والابتزاز لصالح حلفائه؟

