لم يَعُد النقاش حول الدَّين العام في مصر نقاشًا فنيًّا أو اقتصاديًّا جادًّا، بقدر ما صار ساحةً تتزاحم فيها الخطابات السياسية و”العروض“ الإعلامية التي تتفاخر بـ”هبوط تاريخي“ في المؤشرات أو ”إنجازات رقمية“ لا تعكس واقع المواطن المُثقَل بالضرائب وغلاء المعيشة.

خلف هذه الأرقام تتوارى أسئلة جوهرية: ما حقيقة العبء السيادي الفعلي؟ كيف تُدار المالية العامة؟ وهل نحن أمام مسار إصلاح حقيقي أم مجرد تخريجات محاسبية تؤجِّل الانفجار؟

 

في هذا السياق، قدّم حزب العدل ومركز العدل لدراسات السياسات العامة تدخلًا رقابيًّا مختلفًا، لا يكتفي بالاحتجاج أو إطلاق الشعارات، بل يسعى إلى إعادة تأسيس النقاش على أسس مؤسسية وقانونية واقتصادية صارمة، تكشف الخلل في طريقة تعريف الدَّين وقياسه وإدارته، قبل الحديث عن أي حلول أو ”إنجازات“.

 

أرقام الدَّين… استعراض سياسي بلا مساءلة حقيقية

 

ينطلق الخطاب الرسمي في مصر من افتراض مبسّط وخطير في الوقت ذاته: أن المشكلة في حجم الدَّين فقط، وأن الإنجاز يُقاس بعدد النقاط التي تنخفض بها نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي، أو بقدرة الحكومة على إعلان رقم جديد يُسوَّق باعتباره ”هبوطًا تاريخيًّا“. وهنا يتحوَّل التحدي إلى سؤال واحد: كيف نُخفِّض الرقم؟ بدل أن يكون: كيف وصلنا إلى هذا الرقم؟ وما هي كلفة استمراره؟

 

هذا المنطق يختزل نقاشًا شديد التعقيد في مقارنة رقمين بين عامين، ويتجاهل المسار الكامل الذي أنتج هذا الدَّين، من سياسات إنفاق غير منضبطة، وتوسُّع في الاقتراض، وضعف في الرقابة على الهيئات والكيانات الاقتصادية التابعة للدولة. وهكذا يصبح النقاش حول الدَّين ساحة صراع على ”جملة سياسية“ أو ”عنوان إعلامي“ أكثر منه مساءلة حقيقية للسياسات العامة.

 

حزب العدل، في تدخّلاته الرقابية، لم يذهب إلى الرقم فقط، بل إلى الإطار نفسه: كيف يُعرَّف الدَّين؟ ما نطاقه القانوني؟ من يحاسب من؟ وما الحدود التي يجب أن تلتزم بها الحكومة في إدارة المال العام، حتى لا تتحوَّل الديون إلى أداة لإخفاء العجز لا لمعالجته؟

 

من إعادة تعريف الدَّين إلى فضح ”ميزانيات الظل“ في الدولة

 

أوّل تدخل رقابي لحزب العدل استهدف تعريف الدَّين العام نفسه. فبحسب القانون، يجب قياس الدَّين على مستوى ”الحكومة العامة“، أي الحكومة المركزية، والهيئات الاقتصادية، والإدارة المحلية، لا على جزء واحد فقط هو الموازنة العامة للدولة. لكن ما يحدث عمليًّا هو الاكتفاء بجزء من الصورة، ما يسمح بإظهار ”تحسُّن شكلي“ في المؤشرات عبر إخفاء التزامات حقيقية خارج إطار الموازنة.

 

هذا التدخل لم يكن تقنيًّا بحتًا، بل تأسيسيًّا: فهو يعيد النقاش إلى قاعدة واضحة مفادها أن أي حديث عن خفض الدَّين بلا اتفاق مسبق على ما نعنيه بكلمة ”الدَّين“ هو خداع متعمَّد للرأي العام. فالاستناد إلى مؤشرات مجتزأة يفتح الباب أمام التلاعب بالأرقام بدلًا من إصلاح السياسات.

 

ومن إعادة تعريف نطاق الدَّين، انتقل حزب العدل إلى ملف ”وحدة الموازنة“ ودمج الهيئات الاقتصادية، ليس كشعار إصلاحي، بل كسؤال رقابي مباشر: هل هناك جدول زمني واضح لدمج الموازنات؟ هل يجري الدمج فعليًّا في الإيرادات والمصروفات، أم يقتصر على عرض شكلي؟ وهل تخضع الهيئات الاقتصادية لنفس قواعد الرقابة والانضباط المالي أم تُدار كجزر منعزلة خارج الرصد العام؟

 

وجود ”موازنات في الظل“ يسمح بترحيل التزامات ضخمة إلى خارج المؤشرات الرسمية، وبالتالي تضليل الرأي العام بشأن الحجم الحقيقي للدَّين السيادي. هنا يصبح الدمج الحقيقي للهيئات الاقتصادية ووحدة الموازنة شرطًا لا غنى عنه لكشف الصورة الكاملة، لا مجرد مادة لخطابات الإصلاح على الورق.

 

دين قصير الأجل وسيولة مشتتة… إدارة ترحِّل الأزمة ولا تحلها

 

في مرحلة أكثر عمقًا، انتقل الاشتباك الرقابي من إطار تعريف الدَّين وبنية الموازنة إلى صلب إدارة الدَّين ذاته.

الخطاب الحكومي يميل إلى التركيز على حجم الدَّين أو نسبته، لكن التدخُّل الرقابي لحزب العدل وضع اليد على نقطة أخطر: تركيبة الدَّين وأدواته وآجاله، وما إذا كانت إدارة الدَّين تخفف المخاطر أم تضاعفها.

 

توسُّع الحكومة في أدوات الدَّين قصير الأجل، مع استمرار الضغوط على مؤشرات الاستدامة المالية، يعني عمليًّا أن الدولة تُؤج