لم يكن المستشار عبدالمجيد محمود مجرد “مسؤول سابق” مرَّ مرورًا عابرًا في ذاكرة المصريين؛ بل كان أحد أكثر الوجوه القضائية الأكثر عداوة لثورة يناير، إلى أن جاء قرار عزله في عهد الرئيس الشهيد د.محمد مرسي باعتباره مطلبًا ثوريًا ارتبط بغضب الشارع من مسار التحقيقات في قضايا قتل المتظاهرين.
منذ ذلك الحين، لم يتولَّ الرجل—وفق ما هو متاح علنًا—أي منصب وزاري في عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وظل بعيدًا عن المشهد الرسمي، مكتفيًا بالإعارة والعمل القضائي في الإمارات ومداخلات إعلامية متقطعة. لكن ظهوره المفاجئ الجمعة الماضية إلى جوار السيسي خلال افتتاح وأداء صلاة الفجر بمسجد “العزيز الحكيم” في المقطم (يناير 2026) بدا كأنه إعادة إحياء محسوبة لرمز قضائي مثير للانقسام، لا كحضور ديني بريء أو “صدفة بروتوكولية”.
“صلاة الفجر” كديكور سياسي: الدين غطاء ورسالة ولاء
في دولة تُدار صورها بعناية، لا تُترك الكاميرات على العفوية. افتتاح مسجد بحضور السيسي، ثم التقاط مشهد صلاة الفجر بجوار شخصيات من “رموز الدولة”، ليس مجرد نشاط تعبدي؛ إنه مسرح رمزي لتثبيت فكرة أن الشرعية السياسية لها سند ديني ومؤسسي معًا. ووجود عبدالمجيد محمود داخل هذا الكادر تحديدًا يحمل رسالة أعمق: النظام يريد أن يقول إن من وُضعوا يومًا في خانة “الخصومة مع يناير” يعودون اليوم باعتبارهم “أعمدة وطنية” تُستدعى عندما يحتاج الخطاب الرسمي إلى ثقل إضافي.
المشهد يأتي في توقيت يرفع فيه النظام شعار “مصارحة الشعب بالحقائق”، بينما يتزامن ذلك مع ضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة. هنا، يصبح استدعاء رموز بعينها أداة لتسويق سردية جاهزة: “الدولة تحمي الدين” و”المؤسسات أنقذت الوطن” و”من واجهوا الإخوان هم حراس الاستقرار”. أي أن الرسالة ليست دينية بقدر ما هي تدعيم سياسي معنوي وسط مرحلة تتطلب شدّ العصب وإعادة حشد جمهور الدولة حول خطاب الطاعة والانضباط.
ولم يكتفِ عبدالمجيد محمود بالصورة؛ بل ظهر في مداخلة هاتفية ببرنامج “حضرة المواطن” على قناة “الحدث اليوم”، متحدثًا عن مزاعم “محاولات جماعة الإخوان للهيمنة على مفاصل الدولة”، مدعيًا أن القضاء والنيابة العامة تصديا لذلك. هكذا يتحول المشهد إلى حلقة متكاملة: صورة بجوار السيسي، ثم خطاب تلفزيوني يؤكد نفس السردية، ثم إعادة تدوير “العدو” القديم لتبرير الحاضر.
من العزل “كمطلب ثوري” إلى إعادة التقديم: انقلاب على ذاكرة يناير
تولى عبدالمجيد محمود منصب النائب العام من 2006 حتى 2012، وهي فترة شديدة الحساسية ارتبطت بملفات كبرى بعد الثورة. ثم جاء عزله في عهد د.محمد مرسي—وفق هذا السرد—بوصفه استجابة لضغط ثوري يرى أن النيابة آنذاك لم تحقق القصاص العادل في قضايا قتل الثوار. لكن بعد يوليو 2013، أعيد الرجل بحكم قضائي ببطلان قرار العزل، ثم استقال بعد أيام “لاستشعاره الحرج”.
منذ تلك اللحظة، لم يعد عبدالمجيد محمود جزءًا من مؤسسات الدولة في القاهرة، لكنه لم يخرج من دائرة الرعاية السياسية كاملة. ففي سبتمبر 2014 وافق مجلس القضاء الأعلى على إعارته للإمارات للعمل مستشارًا بمحكمة في أبوظبي، ضمن إطار تعاون قضائي. وبحسب ما ورد في النص، ظل يظهر بين حين وآخر في القاهرة، منها ظهوره في سبتمبر 2024 ضمن مناقشة رسالة علمية.
المفارقة أن ما يجري الآن لا يبدو “عودة وظيفية”، بل إعادة تقديم سياسية: رجل عُزل كمطلب ثوري يتم إظهاره اليوم كعلامة على “الاستقامة المؤسسية”، وكأن المطلوب محو السبب الأصلي للصدام معه واستبداله بحكاية أخرى: أنه “قاضٍ واجه الإخوان” وأن عزله كان جزءًا من “مؤامرة” لا من غضب ثوري على أداء النيابة في ملفات الدم.
قاضٍ منحاز أم “رمز مواجهة”؟.. صراع سرديات والنظام يختار روايته
الأهم هنا ليس السؤال: هل سيصبح وزيرًا؟ بل: لماذا يتم تلميعه الآن؟ عمليًا، فكرة تولي منصب وزاري شبه مستبعدة بحكم السن (مواليد نوفمبر 1946 – نحو 79 عامًا مطلع 2026) وبحكم الأعراف السياسية التي تجعل الإتيان بوزير في هذا العمر أقرب للعبث الإداري. لكن النظام لا يحتاجه وزيرًا؛ يحتاجه رمزًا.
الرجل نفسه قدم تموضعه بوضوح: تحدث عن “الاغتيال المعنوي” والشائعات ضده، واعتبر 30 يونيو “لحظة تاريخية” و”وقفة حاسمة” ضد “اختطاف الدولة”. وفي أكتوبر 2021 خرج بتصريحات تصعيدية ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، وهاجم جماعة الإخوان وحيّا السيسي عبر برنامج أحمد موسى، في اصطفاف سياسي لا لبس فيه.
في المقابل، هناك رواية نقدية حادة تقدمه كقاضٍ منحاز، وتستند—كما ورد في النص—إلى اتهامات من المستشار وليد شرابي تتحدث عن “تحقيقات خربة” وانتقائية في ملفات قتل الثوار، ورفض التحقيق في قضايا بعينها، بما يضمن—وفق هذا الطرح—حماية متهمين حقيقيين وإبعاد أعضاء المجلس العسكري عن محاكمات مدنية. هذه الرواية لا تُطرح في “الكادر الرسمي”، لأنها تهدم الهدف من استدعائه: إعطاء الانطباع بأن الدولة تستند إلى “قامات” قضائية كلما احتاجت لتثبيت شرعية سياسية أو خلق غطاء معنوي.
حتى تسمية مسجد “العزيز الحكيم” في سياق حضور السيسي—كما ورد في النص—فتحت باب تأويل ساخر لدى منتقدين، رأوا في توظيف الاسم ضمن مشهد سياسي محاولة لإلباس السلطة مسحة “السمو” الديني، بينما يعيش الناس ضغط واقع اقتصادي خانق. وهنا تحديدًا تتجلى الفكرة: الدين يُستدعى لتجميل السياسة، والرموز تُستدعى لتلميع الحاضر ولو على حساب ذاكرة الثورة.
ختاما فظهور عبدالمجيد محمود بجوار السيسي في “فجر المقطم” ليس تفصيلًا هامشيًا، بل لقطة محسوبة ضمن سياسة إعادة تدوير الوجوه التي تخدم سردية النظام: دولة قوية، دين حاضر، مؤسسات “أنقذت الوطن”، وخصم دائم اسمه الإخوان. وبينما يُعاد تقديم رجل عُزل يومًا كمطلب ثوري كأنه “رمز وطني”، تُدفن الأسئلة الأصلية: لماذا طُلب عزله؟ ماذا عن العدالة والقصاص؟ ولماذا تحتاج السلطة في 2026 إلى استدعاء رموز الماضي بدل مواجهة الحاضر؟

