في الوقت الذي لا تزال فيه جثث الشهداء تحت ركام غزة والجرحى بلا دواء والنازحون في الخيام، تكشف صور منشورة من قلب مدينة كريات جات داخل الأراضي المحتلة عن مشهد صادم: ضباط من الجيش المصري داخل مقر عسكري أمريكي مشترك مع جيش الاحتلال، ضمن ما يسمى "مركز التنسيق المدني–العسكري" المكلَّف بإدارة ملف غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
مشهد يطرح سؤالًا قاسيًا: كيف تحوّل الجيش الذي قدّم آلاف الشهداء في حروب 48 و56 و67 و73 إلى طرف جالس في غرفة عمليات واحدة مع من يواصلون حصار وتجويع أهالي غزة؟
حضور مصري موثَّق داخل مقر كريات جات
الواقعة لم تعد تسريبات أو شائعات. هيئة البث العامة في دولة الاحتلال (كان) نشرت تقريرًا مرفقًا بصور قالت إنها لأول مرة توثِّق وجود "أفراد من الجيش المصري داخل المقر الأمريكي في كريات جات" خلال الشهر الماضي، مؤكدة أن ثلاث دول عربية باتت ممثَّلة هناك: الأردن ومصر والإمارات.
الصور جاءت بعد شهور من تأسيس الولايات المتحدة لـ"مركز التنسيق المدني–العسكري" (CMCC) في كريات جات، كجزء من خطة دونالد ترامب ذات العشرين نقطة لما بعد الحرب في غزة. المركز يضم نحو 200 عسكري أمريكي، ويشارك فيه ممثلون من عشرات الدول والمنظمات، ويُقدَّم رسميًا كغرفة لتنسيق "المساعدات الإنسانية" والإشراف على وقف إطلاق النار.
لكن خلف هذه اللغة الناعمة، يكشف التحقيقات الغربية نفسها أن المركز جزء من هندسة أمنية–سياسية أوسع:
- يتولّى مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار وفق الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.
- يرتبط مباشرة بخطة إنشاء قوة "استقرار دولية" (ISF) في غزة، تكون مهمتها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتأمين الحدود.
- يُدار من جانب واشنطن، فيما يُقصى الفلسطينيون عن التمثيل الفعلي داخل المقر، كما وثقت تقارير دولية انتقدت استبعادهم حتى من المشاركة عبر الفيديو في بعض الاجتماعات.
بمعنى مباشر: من يشارك في هذه الغرفة لا يجلس فقط لتوزيع "شاحنات المساعدات"، بل يشارك في رسم ترتيبات أمنية وسياسية تمسّ مستقبل غزة كله، في ظل اختلال كامل لموازين القوى لصالح الاحتلال.
من عقيدة "العدو الصهيوني" إلى الشراكة في مخطط ما بعد الحرب
الأخطر ليس مجرد وجود ضباط مصريين في مقر أمريكي داخل كريات جات، بل السياق السياسي الذي يسمح بهذا التحوّل.
منذ انقلاب 2013، أعاد عبد الفتاح السيسي صياغة وظيفة الجيش المصري وعقيدته العملية؛ فبدلًا من أن يبقى الجيش عنوانًا لاستقلال القرار الوطني العربي، صار أداة في شبكة تحالفات إقليمية تقودها واشنطن وتل أبيب وأبوظبي، تحت عناوين "مكافحة الإرهاب" و"الاستقرار الإقليمي".
هذا التحول يتجلى اليوم في ثلاثة مستويات:
شرعنة هندسة أمريكية–إسرائيلية لمستقبل غزة
المشاركة المصرية في CMCC تمنح غطاءً عربيًا لغرفة قرار لا وجود حقيقيًا للفلسطينيين فيها، بينما تصفها تحليلات متخصصة – مثل دراسة هَنّا الشيّخ في "المركز العربي في واشنطن" – بأنها إطار قد يُبقي على "نمط حرب منخفضة الوتيرة" ضد غزة بدل إنهاء العدوان، مع استمرار السيطرة الإسرائيلية وتحكّمها في مستوى العنف.
توريط الجيش في ترتيبات قد تزجّه في صدام مع الفلسطينيين
تحليلات قانونية واستراتيجية حول قوة "الاستقرار الدولية" تحذّر من أن أي قوات عربية تشارك في هذه القوة قد تجد نفسها في مواجهة مسلّحة مع الفصائل الفلسطينية، بما يفتح الباب لاحتجاجات وغضب داخل الشارع العربي نفسه ضد جيوشه.
وجود ضباط مصريين في مقر كريات جات اليوم هو خطوة في هذا المسار؛ فالمقر هو العقل الذي سيقود نشر تلك القوة، إن تشكّلت.
إعادة تعريف "الأمن القومي" بعيدًا عن فلسطين
خطاب السلطة في القاهرة لم يعد يتحدث عن الاحتلال بوصفه خطرًا استراتيجيًا، بل يقدّم التعاون الأمني مع تل أبيب باعتباره "ضرورة للاستقرار" و"حماية للحدود". ومع ظهور صور الضباط المصريين في كريات جات، يتحوّل هذا التعاون إلى شراكة معلنة في غرفة تخطيط لمستقبل غزة، بينما تُحاصر المقاومة وتُشترط إعادة الإعمار بنزع سلاحها.
بهذا المعنى، لا تصبح مشاركة الجيش "سوء تقدير تقني" بل امتدادًا منطقيًا لخيار سياسي اتخذه السيسي منذ سنوات: تحويل مصر من رافعة للقضية الفلسطينية إلى شريك في إدارة "اليوم التالي" وفق الشروط الأمريكية–الإسرائيلية.
جيش في غرفة احتلال.. ومجتمع على الهامش
بينما تنشغل القيادة السياسية والعسكرية في القاهرة بتثبيت مقاعدها داخل "غرفة كريات جات"، يعيش الشارع المصري والعربي واقعًا مختلفًا تمامًا: غضب عارم من مشاهد الإبادة في غزة، وتضامن شعبي واسع مع المقاومة، ورفض واضح لأي دور عربي يشارك في حصار القطاع أو تجريده من السلاح تحت أي مسمى.
لكن ما يحدث فعليًا هو الآتي:
الجيش في الغرفة الخطأ
بدل أن يكون الضغط المصري موجهًا لوقف العدوان ورفع الحصار وفتح معابر غزة بلا قيود، نجد ضباطًا مصريين في مقر تتكاثر حوله الأسئلة عن شرعيته، وعن جدواه، وعن مسؤوليته في تكريس واقع "هدنة طويلة مع استمرار السيطرة الإسرائيلية".
النظام يختبئ خلف الصمت
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تقدّم القاهرة أي شرح شفاف للرأي العام حول طبيعة مشاركة الجيش في هذا المقر، ولا حدود هذه المشاركة، ولا الضمانات بألا تتحوّل إلى تورّط مباشر في الضغط على الفلسطينيين أو المشاركة في نزع سلاحهم. صمت النظام هنا ليس حيادًا، بل سياسة متعمدة لإخفاء حجم التغيّر في دور الجيش وعلاقته بالاحتلال.
فصل كامل بين الشعب ومؤسسته العسكرية
حضور الضباط المصريين في كريات جات لا يعبّر عن وجدان ملايين المصريين الذين يرون في غزة امتدادًا طبيعيًا لأمنهم وهويتهم، بل يعكس إرادة ضيقة لسلطة تبحث عن رضا واشنطن وتل أبيب مقابل استمرارها في الحكم، حتى لو كان الثمن تآكل ما تبقى من رصيد الجيش التاريخي في الوعي العربي.
في النهاية، لن تمحو صورة ضابط مصري بجوار ضابط إسرائيلي داخل مقر أمريكي عشرات السنين من الذاكرة والدم، لكنها تقول شيئًا قاسيًا عن اللحظة الراهنة: لم يعد السؤال فقط عن تواطؤ الأنظمة، بل عن حدود ما يمكن أن يُنسب للجيش نفسه من مسؤولية عندما يقبل أن يكون جزءًا من غرفة تخطيط لمستقبل غزة من فوق، لا من قلب معاناة أهلها.
إذا كان السيسي قد اختار موقعه منذ زمن، فإن ما يجري اليوم يضع المؤسسة العسكرية أمام امتحان تاريخي: هل تصبح ذراعًا في مخطط يمر فوق جثث الفلسطينيين، أم تستعيد جزءًا من دورها كجيش لشعب عربي يرى في غزة قضية شرف وكرامة، لا ملفًا أمنيًا يُدار من كريات جات؟
بعد دعوات #عزل_السيسي ..
— قناة الشعوب الفضائية (@AlshoubBreaking) January 18, 2026
نشطاء يتداولون فيديو لنادر السيد كابتن #منتخب_مصر أثناء قيادته أحد المظاهرات التي تطالب بإسقاط حكم العسكر في #مصر
برأيك.. هل يشارك المؤثرين والفنانين في تحرير مصر من حكم #السيسي المستبد؟! pic.twitter.com/rl2NY9hAcT

