تقدّم سلطة الانقلاب نفسها بوصفها "صاحبة القبضة الحديدية" القادرة على كشف أي مخطط خلال ساعات، لكنها في الوقت نفسه تعجز – أو تتعمد العجز – عن كشف ملابسات جرائم كبرى هزّت وجدان المصريين، وعلى رأسها مذابح جنود الجيش في رفح خلال شهر رمضان.

 

ففي حين خرج  قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بعد أقل من 24 ساعة على تفجير الكنيسة البطرسية عام 2016 ليعلن اسم "منفّذ" العملية بثقة كاملة، فإن جريمة مقتل 17 جنديًا وضابطًا قبل إفطار رمضان في رفح ظلت، بعد 4 سنوات، بلا جناة معلنين، وبلا رواية مكتملة، سوى تعليق مقتضب من السيسي نفسه بأنها "عملية محكمة"، في إجابة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.

 

ومع التسريبات القديمة وتصريحات مسؤولين إسرائيليين لاحقًا، تتعمق الشكوك حول حقيقة ما جرى، وحول الحدود الفعلية لدور النظام وحلفائه في دماء المصريين وسيادة البلاد.

 

سرعة "معجزة" في كشف البطرسية… وصمت مريب في مذابح رفح

 

الواقعة الأولى تعود إلى تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، حيث ظهر السيسي بنفسه بعد أقل من 24 ساعة معلنًا اسم شخص بعينه باعتباره "منفذ" التفجير، في مشهد يوحي بسيطرة أمنية كاملة، وقدرة غير عادية على جمع الأدلة والتحقيق والتحليل خلال وقت قياسي، رغم تعقيد جرائم الإرهاب عادة. في المقابل، تُظهِر حادثة أخرى – أكثر حساسية من حيث الهدف والتوقيت – وجهًا مختلفًا تمامًا.

 

ففي حادث مقتل 17 جنديًا وضابطًا في رفح قبل تناولهم إفطار رمضان بأيام، مرّت السنوات، ولم يعلن النظام عن الجناة، ولا عن مسار تحقيقات حقيقية، ولا عن محاكمات تُظهر للرأي العام كيف قُتل هؤلاء الجنود، ومن المستفيد من دمائهم.

الأسوأ أن السيسي، حين سُئل أمام ضباط الجيش عن الجناة، اكتفى بجملة غامضة: "هذا عمل محكم"، كأن المطلوب من المؤسسة العسكرية والشعب معًا أن يبتلعوا دماءهم في صمت، دون حق في معرفة الحقيقة أو حتى رواية رسمية متماسكة.

 

 

هذا التناقض بين سرعة الإعلان في حادث البطرسية، والصمت والضباب في جريمة رفح، يفتح الباب لتساؤلات عن انتقائية الحقيقة: متى يختار النظام أن يكشف، ومتى يختار أن يخفي؟ ومن الذي يحدد الرواية، ومن يملك حق طمسها؟

 

"لا نعرف من قتلهم": تسريب السيسي والطرف الثالث الغائب الحاضر

 

تسريب صوتي نُشر عام 2014 للسيسي، حين كان يشغل منصب رئيس المخابرات الحربية قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع، يكشف جانبًا آخر من هذه الفجوة.

 

في التسريب، يظهر حديث عن مذبحة رفح الأولى التي قُتل فيها 16 جنديًا وضابطًا أثناء تناولهم الإفطار في رمضان، مع اعتراف ضمني بعدم معرفة من نفّذ الجريمة، ولا من هو "الطرف الثالث"، ولا من قتل المتظاهرين في أحداث محمد محمود وغيرها.

 

 

المفارقة أن الشخص نفسه الذي يقول – في التسريب – إنه لا يعرف من نفذ المذبحة، وأن ملفات الدم الكبرى في الثورة غامضة بلا جُناة واضحين، هو ذاته الذي يخرج اليوم ليؤكد أنه "حقق الأمن والاستقرار لشعب مصر"، وأنه أنقذ البلاد من "الفوضى وأهل الشر". كيف يتحقق "الأمن والاستقرار" مع هذا الكم من الجرائم بلا جناة؟ وكيف تُمنَح السلطة شيكًا على بياض باسم مكافحة الإرهاب، بينما تُترَك أسئلة الدم معلّقة بلا إجابة؟

 

غياب الحقيقة ليس مجرد ثغرة في العمل الأمني، بل جزء من بنية حكم تستثمر في الغموض: تُضخّم ما يخدم سرديتها، وتدفن ما يفضحها أو يطرح علامات استفهام حول أداء المؤسسة الأمنية والعسكرية، أو حول احتمال اختراقات وتواطؤات تتجاوز حدود الخيال الرسمي.

 

دعم إسرائيلي "رهيب" وسلاح جو أجنبي فوق سيناء

 

حلقة أخرى في هذه السلسلة تأتي من الخارج، عبر اعترافات صريحة لمسؤولين إسرائيليين عن مدى التداخل بين الأمن القومي المصري وتدخل تل أبيب في سيناء.

 

فوزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان صرّح بأن "السيسي يعيش بفضلنا"، مشيرًا إلى دعم "مالي وأمني رهيب" يتلقاه من الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلى تدخل سلاح الجو الإسرائيلي في سيناء خلال عامي 2017 و2018 لمساندة نظامه في مواجهة التنظيمات المسلحة.

 

 

هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها كـ"فبركات إعلامية"، لأنها تصدر عن مسؤول أمني رفيع في دولة لها تاريخ طويل من التنسيق العسكري والاستخباراتي في ملفات حساسة، وعلى رأسها سيناء.

 

وعندما توضع هذه الشهادة بجوار صمت النظام على مذابح رفح، والاعتراف بعدم معرفة "من قتل الجنود"، تصبح الصورة أكثر إرباكًا:


•  من يملك القرار الفعلي في إدارة ملف سيناء؟
•  إلى أي مدى تم اختزال "السيادة" في تعاون أمني يتجاوز الحد الأدنى المقبول؟
•  وهل أصبح دم الجنود المصريين جزءًا من ثمن هذا الترتيب الإقليمي الذي يضمن بقاء النظام واستمراره؟

 

أمن انتقائي وحقيقة غائبة: أسئلة مفتوحة أمام المصريين

 

ما بين سرعة الإعلان عن "منفذ" تفجير البطرسية، وضبابية التحقيق في مذابح رفح، والتسريبات التي تعترف بجهل الدولة بهوية قتلة الجنود والمتظاهرين، والتصريحات الإسرائيلية التي تكشف حجم الدعم العسكري والأمني لنظام السيسي، تتشكل لوحة واحدة: أمن انتقائي، وحقيقة مُدارة سياسيًا، لا قضائيًا.

 

النظام الذي يرفع شعار "محاربة الإرهاب" يحتاج إلى قصص جاهزة تُثبت كفاءته، فيُسارع إلى تقديم رواية مكتملة في حادثة هنا، بينما يترك عشرات الحوادث الأخرى بلا خيط واضح، لأن كشفها قد يفتح بابًا على دور أجهزة، أو على صفقات، أو على تواطؤ خارجي لا يريد أحد الاقتراب منه.

 

في النهاية، لا يملك المصريون رفاهية الاكتفاء بالشعارات. دماء الجنود في رفح، ودماء المتظاهرين في محمد محمود ورابعة وغيرها، ليست سطورًا في أرشيف مرحلة، بل هي امتحان حقيقي لصدقية أي حديث عن "أمن" و"استقرار". ما لم تُفتح ملفات الدم بشفافية، ويُعرَف من أصدر الأوامر ومن نفّذ ومن تستّر، سيظل الأمن المزعوم مجرد واجهة لأنظمة تعيش – كما قال ليبرمان عن السيسي – "بفضل" الخارج، لا بفضل عقد عادل بينها وبين شعوبها.