عمر سمير
كاتب وباحث مصري
تتلقى بعض التحالفات الإقليمية، أخيرًا، ضرباتٍ موجعةً وهزّاتٍ عنيفةً، سواء بوصفها متغيّرًا تابعًا للسياسات الأميركية والإسرائيلية، أو نتاجًا لتطوّرات داخلية في المنطقة، أو تفاعلًا بينهما، فالأوضاع في اليمن تتّجه نحو الحسم لمصلحة القيادة السعودية، التي لم يكن لديها إشكال كبير في التعامل مع الإسلاميين في المنطقة، لولا قدرة أبوظبي على شيطنتهم وتحويلهم إلى العدو الأكبر بدلًا من إسرائيل وغيرها. وقد روّج الإماراتيون السلام الاقتصادي و"صفقة القرن"، وقادوا موجةً احتفائيةً بهما لم يوقظهم منها سوى تبعات حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في 7 أكتوبر (2023)، وهزّت العالمَين العربي والإسلامي، بل حرّكت العالم كلّه ضدّ إسرائيل وأفعالها بشكلٍ ما؛ الأمر الذي جعل اتفاقات السلام الإبراهيمي وسلام الصفقات المُروَّج إماراتيًا على المحك. وفي الأفق، تبدو خطوات التفكير في تحالفات ومحاولاتُه جديدةً تتلمّس مسارها بين بعض القوى، وإن بخطى بطيئة ومتردّدة.
لطالما حذّر بعض المفكّرين النابهين من تنامي نفوذ الإمارات في المنطقة وسعيها إلى التوسّع، وعلى حساب القوى التقليدية فيها، ومنها السعودية ومصر. وربما احتاجت مصر إلى أكثر من عقد لتدرك أن ما تقوم به الإمارات (لطالما وُصفت بالحليف الاستراتيجي للنظام من مؤيّديه ومعارضيه) من لعبٍ في فنائها الخلفي، في السودان والصومال وليبيا والقضية الفلسطينية، يتناقض كلّيًا مع المصالح الموضوعية التي يقتضيها أيُّ تفكير عقلاني في الأمن القومي المصري، بل إن ما تقوم به من أدوار تخريبية في الداخل المصري، من استحواذات على الصناعات الاستراتيجية والقطاع الطبّي الخاص والمشروعات الزراعية الكبرى والموانئ، حذّرت منه جهات سيادية بشكل مبطّن من دون أن يستمع إليها أحد، تحت وطأة الحاجة المزمنة إلى التمويل الدولي، وإدارة الشأن الاقتصادي بالأزمة الهيكلية المستمرة، ونَهَم الاقتراض، والمشروعات الكبرى غير ذات الأولوية والجدوى.
ظلّت علاقات مصر مع الخارج في تبعية شديدة للحليف الإماراتي؛ فتردّدت كثيرًا في تحسين علاقاتها بالغرب الليبي أو بالحكومة الجديدة في السودان، وها هي تتردّد في سورية كثيرًا. وكان موقفها شديد التبعية والتردّد في اليمن، إلى حين اتضاح مواقف الإمارات، بل كانت الإمارات وحلفاؤها يصدّرون ما يشبه "فيتو" ضدّ تحسين علاقات مصر مع كل من قطر وتركيا، اللتَين طالما عُوديتا لأسباب أيديولوجية شديدة السطحية، وهو ما ضيّع على البلاد والعباد عقدًا من إمكانية التحالفات المثمرة والمنتجة للاستقرار، بدلًا من التبعية المفرطة لما روّجه كتّاب مصريون كُثرٌ تحت مسمّى "إسبرطة الصغرى". ولم تعد للمصالحة مع قطر وتركيا سوى أن جاءت بعد أن حسّنت الإمارات والسعودية علاقتيهما بهما، بينما أثبت التنسيق معهما فاعليةً في القضية الفلسطينية طالما حرمت مصر نفسها منها بتلك التبعية.
أسّس نظام ما بعد "3 يوليو" (2013) في مصر سياسته الخارجية ونسج تحالفاته الإقليمية والدولية على إفشاء الكراهية لتيارات الإسلام السياسي، الذي كان الربيع العربي قد حمله على الأكتاف وألقاه في جُبّ السلطة. واستمر هذا التأسيس سنوات طويلة، حتى بعد موجات الثورات المضادّة، إلى أن دمّرت (وجزّئت) ليبيا واليمن والسودان وسورية على أسس من هذه المبادئ التي رسختها الإمارات ورجالاتها في مصر وفي الصحافة والإعلام العربي كثيرًا، بل أنفقت مليارات الدولارات عليها، سواء لبناء مراكز الفكر والرأي ومواقع الصحف، أو تصعيد رجالات السلطة هنا وهناك، أو الدفاع عن جنرالات الانقلابات وتعزيز شرعيتهم في الغرب.
وعلى طول خط السياسات الإماراتية الداعمة الاضطرابات والانقلابات في المنطقة، من اليمن إلى ليبيا إلى السودان وتشاد، كان العنصر الأهم والأبرز دورها حليفًا موثوقًا لإسرائيل، ولبعض الجنرالات وأمراء الحرب، وتذليلها العقبات أمامهم للتطبيع وإقامة علاقات مع هؤلاء الجنرالات، نظير وعود بدعم عسكري واقتصادي. وفي المقابل، كانت تحاول السيطرة على معاقل الثروات الطبيعية من معادن وموانئ وأراضٍ عبر تحالفات أكبر من قدراتها، وبتدخّلات وإن وصفها مسؤولوها بأنها لحماية مصالحهم الاقتصادية المتنامية، فإنها أجّجت صراعات، وسعّرت نيرانها أينما ذهبت، وسبّبت (مع عوامل أخرى) أزماتِ هجرةٍ ونزوح شديدة الوطأة على تلك البلدان وعلى دول جوارها.
عندما نقول إن فناء مصر الخلفي مكشوف، فإننا نطرق ناقوس الخطر من أن مصر لا تزال بعيدةً كل البُعد عن أن تكون اللاعب رقم واحد في دول جوارها المباشر: ليبيا والسودان، بل ربما الصومال والقرن الأفريقي، وهما مجالان حيويان تاريخيًا لمصر، استقرارهما من استقرارها. فمصر لا تزال تلعب أدوارًا شديدة الهامشية وقليلة التأثير في هذا المجال الحيوي الطبيعي؛ فلا هي قادرة على إرساء السلام ووقف الحرب، ولا هي قادرة على الدخول في تحالفات تقوم بهذا وتدعمه بشكل واضح.
بل قد تعجب عندما ترى أن تجارة الإمارات واستثماراتها مع تلك البلدان أكبر من نظيرتها المصرية مع بلدان فنائنا الخلفي. وتفسير أيّ تحرّكات تكتيكية بسيطة على أنها تغيّرات استراتيجية، وتضخيمها كما يحدث من بعض نخب الحكم والمعارضة في مصر، أمر يضرّ بالجدال النظري، وبالواقع العملي، كثيرًا. وبينما يأمل السودانيون والليبيون وشعوب القرن الأفريقي في دور مصري قوي وفاعل في حفظ الاستقرار، نجد إدانات وتنديدات وبيانات من دون فعل كبير، ولا حتى تعزيز تجارة واستثمار، فضلًا عن فعل أكثر خشونة قد يكون مطلوبًا للحسم هنا وهناك، في زمن تتعالى فيه القوة الصلبة وتعود الحروب التقليدية إلى الواجهة.
وتعجب أكثر عندما ترى السياسة الخارجية الإماراتية، التي توضع من الديوان الأميري ومراكز الفكر والرأي التي يديرها المستشارون الأميركيون والمسؤولون الدوليون السابقون، تُنفَّذ عبر سفارات الإمارات التي تشغّل بعضها عقولٌ مصرية فذّة من خرّيجي كلّيات محترمة؛ بينما هؤلاء لا يجدون مكانًا في الخارجية المصرية المتكلّسة أو مؤسّسات صنع القرار الأخرى، التي تعتمد على الواسطة والمحسوبيات في التعيين والترقّي، ولا تعتمد التخصّص والخبرة الميدانية. كما أن لديها بنية إدارية للسفارات والقنصليات ينقصها كثير من الكفاءات، كما ظهر في العديد من التسريبات، وكما نعلم من الواقع.
عبثت الإمارات كثيرًا بالأمن القومي المصري والعربي في البحر الأحمر، بتدعيم عدم الاستقرار في اليمن وفي الصومال والسودان وإثيوبيا. وكذلك في ليبيا، بتدعيم عدم الاستقرار والانقسام وتشتيت الموقف العربي وإبعاده عن أيّ خيارات عقلانية أو واقعية، ما أضعف قدرة المنطقة والمنظمات الإقليمية على لعب دور أكثر فعّاليةً وقدرةً على تحقيق الاستقرار. وفي وقت طالبت فيه الشعوب بمزيد من التغيير والإصلاح، كانت سياساتها عقبة في وجه أيّ محاولة للإصلاح عبر تغذية العداء للتيارات المطالبة بالإصلاح والتغيير وشيطنتها. وروّجت التطبيع من دون مقابل أو حتى تنسيق للمواقف الإقليمية، ما أزعج الأنظمة المطبعة ذاتها قبل الشعوب العربية الغاضبة.
ما لم يحدث تغيّر ومراجعة شاملة لأسس السياسة الخارجية المصرية ومنطلقاتها وأدوات تنفيذها، ووضع استراتيجيات وتصوّرات واضحة للتعامل مع المواقف والأطراف المختلفة، والتخلّي عن سياسات ردّة الفعل أو الإدارة وفق التطوّرات الآنية يومًا بيوم، وتدرك حجم مصالحها وتعقّدها وجالياتها في الخارج ومصادر قوتها وضعفها وتوظفها بشكل جيد، ستظل مصر دولةً تائهةً وتابعةً تبحث عن الأطراف في النظام الدولي وتتبعها. ولن تطول التبعية للمركز التي كانت مترسّخةً في عهد مبارك، فضلًا عن الاستقلالية والقيادة في بعض الملفات والتوازن الفعلي المنشود من المصريين. وستظلّ كل أفنيتها الخلفية مكشوفةً ومصادر قلق وتهديد دائمة لأمنها القومي، لا قدّر الله.

