في 13 يناير 2026 أعلنت إدارة دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كيانات «إرهابية عالمية» أو «منظمات إرهابية أجنبية»، بدعوى دعم حماس وتهديد أمن حلفاء واشنطن. القرار الذي استند إلى أمر تنفيذي صدر في نوفمبر 2025، فتح الباب أمام عقوبات مالية وقانونية واسعة، ورحّبت به نظم استبدادية في المنطقة، بينما اعتبره باحثون وحقوقيون حلقة جديدة في استهداف الإسلام السياسي والمقاومة الفلسطينية وتصفية إرث الربيع العربي.
أمام هذا المشهد المتشابك، جاءت ردود الفعل من باحثين وإعلاميين وحقوقيين وسياسيين لتكشف أن المعركة ليست فقط حول «تسمية قانونية»، بل حول تعريف الإرهاب نفسه، وحدود الشرعية في مقاومة الاحتلال والاستبداد.
قرار ترامب.. استهداف لحركات سياسية بذريعة دعم حماس
بحسب بيانات وزارة الخزانة والخارجية الأمريكية، جاء التصنيف على خلفية اتهام الفروع الثلاثة بدعم «حماس» و«تشجيع هجمات» ضد إسرائيل وحلفاء واشنطن، في ترجمة تفصيلية للأمر التنفيذي الذي وقّعه ترامب نهاية 2025، ووجّه فيه الإدارة لاتخاذ إجراءات ضد فروع الإخوان التي تُتهم بتمويل المقاومة.
هذا الربط المباشر بين الإخوان وحماس ليس جديدًا؛ فالجناح الفلسطيني للجماعة مصنَّف على قوائم الإرهاب الأمريكية منذ سنوات، لكن الجديد هنا هو نقل الاتهام من «فرع فلسطيني مقاوم» إلى فروع عربية تعمل – رسميًا – كحركات سياسية أو دعوية. وهنا يعلّق الكاتب والأكاديمي الفلسطيني فايز أبو شمالة مؤكدًا أن قرار ترامب «شهادة عدو» على موقع الإخوان في مواجهة المشروع الصهيوني، قائلا إنهم «العدو الحقيقي للصهيونية» والأكثر وفاءً لقضايا التحرر.
الكاتب والأكاديمي الفلسطيني فايز أبو شمالة تعليقا على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهـ ـابـ ـية: أشهد الله أنهم العدو الحقيقي للصـ ـهـ ـيونـ ـية، وأنهم الأكثر انتماءً ووفاءً وعطاءً وتضحية للوطن، على طريق تحرير الإنسان من العبودية والخنوع، ولو كانوا غير ذلك، لما صنفتهم… pic.twitter.com/fMoH8JRpNh
— قنــــاة مكملين - الرسمية (@MekameleenMk) January 13, 2026
الكاتب السعودي خالد وليد الجهني يختزل جوهر القرار بجملة قصيرة: «الحرب على الإسلام وليست على الإخوان»، في إشارة إلى أن التصنيف يستهدف كل من يربط ولاءه بالإسلام وقضايا الأمة، لا جماعة بعينها.
الجهني: الحرب على الإسلام وليست على الإخوان. pic.twitter.com/9UjOnmSydr
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) January 13, 2026
وعلى الضفة نفسها يذهب الأكاديمي محمد المختار الشنقيطي حين يؤكد أن الإخوان «سيظلون شوكة في حلق كل لئيم خوّان»، وأن أعداء الإسلام «يشملون بوصف الإخوان كل مسلم حر معتز بدينه يرى الإسلام مصدر ولاء وانتماء».
الشنقيطي: سيظل الإخوان المسلمون شوكة في حلق كل لئيم خوَّان، فلا تخدعنَّك الألفاظ والمصطلحات، فأعداء الإسلام يشملون بوصف الإخوان كل مسلم حر معتز بدينه، يرى الإسلام مصدر ولاء وانتماء، وينحاز للحق والعدل. لقد أصبحت محاربة الإخوان ذريعة لوأد ثورات الشعوب، وإبقائها في حال عبودية، ومن… pic.twitter.com/Do6TqOdVfe
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) January 15, 2026
دعم المقاومة من حسن البنا إلى غزة.. خلفية مغيّبة
جزء أساسي من سياق القرار – يتجاهله أغلب الإعلام الغربي والعربي الرسمي – هو التاريخ الطويل لعلاقة الإخوان بفلسطين. فمنذ حسن البنا، مؤسس الجماعة، كانت «قضية فلسطين» في قلب المشروع؛ شاركت كتائب الإخوان في حرب 1948، وتحولت الحركة لاحقًا إلى حاضنة فكرية وتنظيمية لتيارات جهادية – مقاومة للاحتلال – في أكثر من ساحة.
هذا الإرث تجلى في دعم حماس وكتائب القسام سياسيًا وشعبيًا وماليًا لدى قواعد الإخوان ومناصريهم، وهو ما يلتقطه الإعلامي أيمن عزام حين يقول إن أخطر اتهام توجهه الخزانة الأمريكية هو «تمويل حماس»، متسائلًا: ما ظن أمريكا بـ«الشعوب العربية المسلمة» وهي تعلم أن كل مسلم يتمنى أن يمول حماس «بأولاده ونفسه، لا بالمال فقط»؟
أخطر اتهام تواجهه جماعة #الإخوان_المسلمين
— Ayman Azzam (@AymanazzamAja) January 14, 2026
لدى الخزانة الأمريكية
هو ( تمويل حركة #حماس )
فما. ظن أمريكا
و استخباراتها
بالشعوب العربية المسلمة
و هي تعلم يقيناً
أن كل مسلم عربي يتمنى أن يموّل حماس و #كتائب_القسام. بأولاده و نفسه و ليس المال فحسب !!!؟! #غزة
من هذا المنظور، يرى كثيرون أن تجريم «دعم المقاومة» هو الهدف الحقيقي؛ وهو ما يصرّح به القيادي الإخواني السابق محمد منتصر بقوله إن أمريكا تعتبر كل من يعارض مشروعها «إرهابيًا»، وأن «دعم المقاومة ليس تهمة بل شرف وواجب وموقف أخلاقي»، مؤكدًا أن من يجرّم هذا الحق «مشارك في الظلم»، وأن حماس «فخر هذه الأمة ومقاتلوها شرف هذا العصر».
عضو المكتب السياسي لميدان والمتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) January 14, 2026
الاستاذ "محمد منتصر " تصنيف أمريكا لجماعة الإخوان وفروعها في مصر والأردن ولبنان
إنه قرار لا يساوي الحبر الذي كتب به.
وإن أمريكا ليست معيارً للحق ولا ميزانً للعدل، بل دولة تحكمها المصالح، وتحركها الأطماع… pic.twitter.com/G20Ooej5Ib
الأكاديمي وصفي عاشور أبو زيد يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن القرار «إعلان لمشروع في مواجهة مشروع: مشروع الإسلام أمام المشاريع المعادية»، كما تجلى ذلك في «طوفان الأقصى» وبروز مشروعين متصارعين: مشروع صهيوني مدعوم غربيًا، وآخر إسلامي «لكن بلا أنصار كافين».
إن إصدار ترمب وإدارته قرارا بإعلان #الاخوان_المسلمين في ثلاثة أقطار "إرهـ.ـابـ.ـية" إنما هو إعلان لمشروع في مواجهة مشروع: مشروع الإسلام أمام المشاريع المعادية، كما تجلى ذلك تماما في #الطوفان، وفي بروز هذين المشروعين: مشروع الصهيونية وداعميه، وآخر هو الإسلام، ولكن ليس له أنصار!
— Dr. Vasfi Aşur Ebuzeyd - د. وصفي عاشور أبو زيد (@dr_wasfy) January 14, 2026
والأكاديمي محمود وهبة يضع الأمور في إطار أكثر مباشرة بقوله إنه – للدقة والأمانة – المفروض أن توضع أمريكا وإسرائيل في تصنيف الدول والجمعيات الإرهابية، بينما يُستخدم «الإخوان كبش فداء لتبرير دكتاتورية ووحشية هذه النظم».
للدقه والامانه المفروض ان توضع امريكا واسرائيل في تصنيف الدول والجمعيات الارهابيه
— محمود وهبه - Mahmoud Wahba (@MahmoudNYC) January 14, 2026
الاخوان كبش فداء لتبرير دكتاتوريه ووحشيه هذه النظم https://t.co/jAzbKbCSHm
ديمقراطية بلا سند خارجي واستقطاب يقتل الطريق الثالث
الصحفي علاء بيومي يستعيد خمسة عشر عامًا من تجربة ما بعد ثورة يناير ليخلص إلى أن «التحول الديمقراطي في مصر كان مستحيلا» ليس فقط بسبب عنف النخب الحاكمة وضعف المعارضة، بل أيضًا لغياب أي دعم دولي حقيقي للديمقراطية في المنطقة. ويضيف أن ما تقوم به أمريكا وأوروبا اليوم يكشف أنهما لم يكونا يومًا «داعمين حقيقيين للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي»، بل استخدما هذه الشعارات «للضغط على الأنظمة وتحقيق مصالحهما».
بعد ١٥ سنة، يبدو لي ان التحول الديمقراطي في مصر كان مستحيلا ليس فقط بسبب رفض ومقاومة النخب الحاكمة وعدم استعداد المعارضة، ولكن ايضا لغياب أي دعم دولي حقيقي له.
— علاء بيومي - Alaa Bayoumi (@Alaabayoumi) January 15, 2026
ما تقوم به أمريكا حاليا ومن خلفها أوروبا يكشف أنهما لم يكونا يوما داعمين حقيقين للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم…
هذا التوصيف يلتقي مع ملاحظة الحقوقي بهي الدين حسن الذي يرى مفارقة صارخة في أن يصنّف ترامب منظمات محسوبة على الإخوان «إرهابية» دون دليل، بينما يدعم في الوقت ذاته «جهاديًا» يحكم سوريا، سبق أن اتُّهم بالإرهاب والتعذيب في تقارير حكومية أمريكية وأممية.
من أكثر المفارقات السياسية إثارة للتأمل تصنيف ترامب منظمات محسوبة علي الاخوان المسلمين بأنها ارهابية دون أن يقدم دليلا علي ذلك (مصر مثالا)، في ذات الوقت الذي أعلن فيه دعمه لجهادي يرأس سوريا حاليا سبق تجريمه واتهام منظمته بالارهاب والتعذيب وفقا لتقارير حكومة ترامب والأمم المتحدة!
— Bahey eldin Hassan (@BaheyHassan) January 14, 2026
وفي الداخل المصري، يلفت المحامي طارق العوضي إلى أن ما يجري هو تكريس لاستقطاب ثنائي زائف: إما أن تُدفع إلى خانة «الإخوان/الإرهاب»، أو تُساق إلى خانة «التطبيل/الأمنجية»، بينما جرى «تجريف ممنهج للطريق الثالث» الذي يمثّل المعارضة الوطنية المدنية.
نحن أمام استقطاب ثنائي مُفتعل وممنهج لا يعكس حقيقة المجتمع ولا تنوعه، يقوم على معادلة قسرية
— طارق العوضى المحامى (@tarekelawady2) January 14, 2026
إما أن تُصنَّف في خانة (الإخوان/الإرهاب )أو تُدفع دفعًا إلى خانة (التطبيل/الأمنجية )
وبين هذين القطبين، جرى تجريف ممنهج للطريق الثالث - أي ذلك المجال الذي يفترض أن يستوعب المعارضة الوطنية
من زاوية أخرى، يصف د. حمزة زوبع أحد التصريحات المرحِّبة بالقرار بأنه «واحد من أغبى التصريحات السياسية في الوقت الراهن»، في إشارة إلى أن بعض النظم العربية ترقص على إيقاع قرار قد يُستخدم ضدها هي ذاتها في المستقبل، كما حدث مع حلفاء واشنطن في تجارب سابقة.
واحد من أغبى التصريحات السياسية في الوقت الراهن .#الاخوان_المسلمين pic.twitter.com/4TYVFteuhM
— Dr.Zawba (@drzawba) January 14, 2026
أما د. رفيق عبدالسلام فيرى أن السيسي وبن زايد «يرقصان طربًا» على وقع التصنيف، لكن فرحتهما لن تدوم؛ فمَن يستعديه ترامب ونتنياهو «يمنحانه شرعية لا تضاهى»، معتبرا أن القرار «يفتح أبواب المستقبل أمام الإخوان وتيار الإسلام المعتدل لاستئناف مسيرة الربيع العربي»، وأن الإخوان مجرد «عنوان عابر» لتيار أوسع وأرسخ.
إعلام السيسي بين الشماتة والتناقض الفاضح
إعلام الأنظمة الحليفة لترامب في المنطقة تلقّف القرار على أنه «نصر تاريخي». الإعلامي أحمد موسى شكر ترامب علنًا لأنه «وعد فأوفى» بتصنيف الإخوان، وطالب بتوسيع القرار ليشمل التنظيم «في كل البلاد».
في المقابل، استخدم الإعلامي محمد ناصر القرار لفضح هذا التواطؤ، مشيرًا إلى «الفرحة الإعلامية» العربية، وربطها بحملة شائعات مثل «وفاة خيرت الشاطر» لتكريس صورة جماعة منتهية تستحق الإبادة السياسية والقانونية.
قرار ترامب ضد الإخوان المسلمين.. ترحيب عربي وفرحة إعلامية وشائعة وفاة خيرت الشاطر#محمد_ناصر#مصر_النهاردة#الاخوان#ترامب#امريكا#الإخوان_المسلمون pic.twitter.com/NnMAwx8Ymy
— محمد ناصر (@M_nasseraly) January 14, 2026
لكن السخرية الأوضح جاءت من مغردين وصحفيين مصريين رصدوا تناقض الرواية الرسمية؛ فالإعلامية نسرين نعيم تسأل بتهكم: «هي أمريكا مع الإخوان ولا ضد الإخوان؟ فهمونا!» في إسقاط على أن الإعلام السيسي طالما كرر أن الإخوان «أداة أمريكية»، فإذا بها اليوم تُصنفهم إرهابيين.
هي امريكا مع الاخوان ولا ضد الاخوان فهمونا!؟ pic.twitter.com/Jy194u7AZs
— نسرين نعيم (@nesrinnaem144) January 14, 2026
الصحفية رانيا الخطيب تشاركها السخرية متسائلة: «هيستخدمها إزاي؟ مبقاش ينفع يقول الإخوان بياخدوا تمويل من أمريكا»، في إشارة إلى أن ورقة «التمويل الخارجي» فقدت إحدى ركائزها الدعائية.
امريكا صنفت جماعة الاخوان في مصر انها جماعة ارهابية يعني كدة فزاعة سعي الاخوان للحكم انتهت ومفيش حاجة تمنع تداول السلطة والدولة المدنية
— Rania Elkhateeb (@ElkhateebRania) January 14, 2026
من جهته، يذكّر عضو المكتب السياسي السابق للإخوان محمد منتصر بأن أمريكا «ليست معيارًا للحق ولا ميزانًا للعدل»، بل دولة تحكمها المصالح والأطماع، وأن من «نهج نهج السوء لن يعدم مبررًا أمام ضميره الميت وأمام العالم».
عضو المكتب السياسي لميدان والمتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) January 14, 2026
الاستاذ "محمد منتصر " تصنيف أمريكا لجماعة الإخوان وفروعها في مصر والأردن ولبنان
إنه قرار لا يساوي الحبر الذي كتب به.
وإن أمريكا ليست معيارً للحق ولا ميزانً للعدل، بل دولة تحكمها المصالح، وتحركها الأطماع… pic.twitter.com/G20Ooej5Ib
وفي الخلفية، يشير أستاذ العلوم السياسية الأمريكي ناثان براون إلى أن القرار قد يرضي حلفاء مثل مصر والإمارات، لكنه يهدد بتوترات مع دول أخرى مثل قطر وتركيا، ما يعكس مرة أخرى أن المعيار ليس «محاربة الإرهاب» بل إعادة رسم خرائط التحالفات في المنطقة.
في المحصلة، يبدو أن قرار ترامب بتصنيف فروع الإخوان «إرهابية» لا يجيب عن سؤال واحد: من يملك حق تعريف الإرهاب؟ هل هو الاحتلال ومن يدعمه، أم الشعوب التي تقاومه؟ بين من يرى في القرار حربًا على الإسلام والمقاومة، ومن يراه أداة لتصفية كل طريق ثالث بين الاستبداد والتطرف، تبدو المعركة الحقيقية أبعد بكثير من جماعة بعينها، وأقرب إلى صراع طويل على هوية المنطقة ومستقبلها السياسي.

