أعاد اغتيال المقدم محمود الأسطل (أبو خالد)، مدير مباحث خان يونس، فتح واحد من أخطر ملفات الحرب الدائرة على قطاع غزة: الحرب الخفية على الأجهزة الأمنية والبيئة الداخلية. الجريمة التي نفّذتها مجموعة مسلّحة متعاونة مع الاحتلال، يقودها حسام الأسطل الملقّب بـ"أبو سفن" وخليفة العميل المعروف ياسر أبو شباب، وُصفت بأنها طعنة من الظهر استهدفت أحد أبرز رجال الأمن، ورسالة تهدف إلى زعزعة ثقة المجتمع في قدرته على حماية نفسه.
كمين في المواصي.. رواية الداخلية وشهادات العائلة
بحسب بيان وزارة الداخلية في غزة، جرى اعتراض سيارة المقدم محمود الأسطل في منطقة المواصي الساحلية شمال غرب خان يونس، بعد أن اعترضت مركبة من نوع "كادي" سيارته، وفتح المسلحون النار عليه بشكل مباشر قبل أن يلوذوا بالفرار نحو منطقة خاضعة لسيطرة الاحتلال. الداخلية أكدت أن المجموعة منفذة العملية تعمل لصالح الاحتلال، وأن قائدها حسام الأسطل نشر مقطعًا مصوّرًا يتبنى فيه الاغتيال ويتوعد بمزيد من العمليات ضد قيادات فلسطينية.
صدمة الاغتيال تضاعفت مع الكشف عن أن المتهم الرئيس ينتمي إلى نفس عائلة الشهيد، في مشهد رأى فيه مراقبون محاولة متعمدة لضرب النسيج الاجتماعي وإشعال الفتنة داخل العشائر في خان يونس. فالمقدم محمود الأسطل لم يكن مجرد مسؤول أمني، بل شخصية معروفة في محيطه العائلي والعشائري، ما جعل الجريمة تتجاوز بعدها الأمني إلى جرح اجتماعي واسع.
الناشط مدحت رضوان نقل شهادة مطولة عن حياة أبو خالد من قريبه وصهره محمد ابن محمد الأسطل، رسمت ملامح رجل عاش في قلب المواجهة الدائمة، بين العمل الأمني الميداني والزهد الشخصي وقربه من الناس.
ورد في الشهادة أن محمود الأسطل كان "جيشًا وحده، سدّادًا للثغور المخوفة"، وأنه نجا من محاولات استهداف مباشرة مرات عدة، وكان من أوائل من تصدّوا لقطاع الطرق والعملاء، وأحد أبرز من ضبطوا الجبهة الداخلية خلال الحرب، وقائدًا ميدانيًا في الاستخبارات وابنًا للمؤسسة الشرطية. وروي عنه أنه كان يسرع في إنجاز مهامه لأنه يدرك أن الاستهداف قد يأتي في أي لحظة، قائلاً لصهره: "كنت أسارع في إنجاز الشيء الذي أشتغل به… لعلنا ننتهي قبل أن ينزل الصاروخ".
الشهادة تضيف أنه كان يكثر الصيام حتى في أيام المجاعة، وأنه استشهد صائمًا بعد صلاة الفجر، قبل أن تُختتم بعبارة لافتة: "لقد وصلوا إليه بالطعن من الخلف حين لم يستطيعوا المواجهة".
أبعاد عشائرية وأمنية.. استهداف للنسيج الاجتماعي والثقة بالمنظومة
النائبة في المجلس التشريعي هدى نعيم قدّمت رواية رسمية عززت ما أعلنته وزارة الداخلية، مؤكدة أن العملية نفذتها جماعة مسلحة متعاونة مع الاحتلال يقودها حسام الأسطل، وأن هذه المجموعة تتمركز في منطقة خاضعة لسيطرة الاحتلال ونشرت مقطعًا مصوّرًا يتبنّى تنفيذ العملية ويتوعد باغتيالات جديدة. وربطت نعيم بين هذه الجريمة واغتيال العقيد محمد زمزم قبل أسابيع، معتبرة أن الاحتلال يعتمد على عناصر محلية لتنفيذ عمليات دقيقة تستهدف قيادات أمنية، في محاولة لإرباك الجبهة الداخلية وإضعاف القدرة على ضبط الأمن.
على المستوى العشائري، حذر الكاتب والصحفي الفلسطيني علي أبو رزق من خطورة البعد الاجتماعي في القضية، مشيرًا إلى أن الشهيد ينتمي إلى واحدة من أكبر العشائر في خان يونس، وأن "العصابات المأجورة" – بحسب وصفه – قتلت أحد قادة الشرطة وابن عائلة مناضلة وعريقة، بينما يأتي القاتل من نفس العائلة كأحد أذرع العميل ياسر أبو شباب. واعتبر أبو رزق أن الهدف الأساسي للاحتلال هو ضرب النسيج الاجتماعي وتفجير العائلات من الداخل وخلق صراع داخلي يضعف المجتمع ويستنزف طاقة الناس بعيدًا عن مواجهة الاحتلال، محذرًا من أن المشكلة مع هؤلاء المتعاونين لن تبقى مع الأجهزة الأمنية فقط، بل مع جميع أبناء العائلات التي يراد جرّها إلى ثأر داخلي.
من زاوية أمنية أوسع، رأى الأكاديمي والمحلل السياسي د. فايز أبو شمالة أن الاغتيال يأتي في إطار محاولة الاحتلال ضرب الثقة في قدرات الأجهزة الأمنية في غزة على ضبط الجبهة الداخلية رغم الحرب. وأكد أن العدو انزعج من قدرة حركة حماس والأجهزة التابعة لها على الحفاظ على قدر من الاستقرار الداخلي، فسعى عبر عملائه إلى استهداف مدير مباحث خان يونس بالذات، لإيصال رسالة مفادها أن يد الاحتلال قادرة على الوصول إلى القيادات الأمنية. لكنه شدد في المقابل على أن خان يونس ستبقى صامدة، وأن مثل هذه الجرائم لن تنال من صمود المجتمع.
خيوط إقليمية وامتداد يتجاوز غزة.. وصورة قائد عاش بين الناس
تحليلات أخرى ربطت الاغتيال بسياق أوسع تتجاوز حدوده غزة نفسها. الكاتب ياسر الزعاترة أشار إلى تقاطع بين نشاط الخلايا المرتبطة بالعميل ياسر أبو شباب وتحركات إقليمية برعاية أميركية، مستعيدًا لقاءً سابقًا جمع جاريد كوشنر بأبو شباب في "كريات غات". ورأى أن استخدام حسام الأسطل لم يعد سرًا، وأن الهدف النهائي هو تهيئة القطاع لإدارة جديدة ربما يقودها محمد دحلان ضمن سيناريو يفصل غزة عن الضفة الغربية. وأضاف أن "المصيبة ليست في العملاء فقط، بل في فئة تطعن المقاومة في الظهر وتتبجح بأنها القيادة الشرعية"، في إشارة إلى صراع أوسع على شرعية تمثيل الفلسطينيين.
كوشنر و"أبو شباب".. بضاعة قذرة للبيع؟!
— ياسر الزعاترة (@YZaatreh) November 12, 2025
أنباء متضاربة عن لقاء جمع كوشنر، بالعميل "ياسر أبو شباب"، في "مركز إدارة وتنسيق وقف إطلاق النار" في "كريات غات".
سواء تمّ اللقاء أم لا، فإن استخدام المذكور وحسام الأسطل، لم يعد سرّا، لكن الأمل النهائي يبقى معقودا على "دحلان" كشخص قادر… pic.twitter.com/e8CUx22Kmn
وسط هذه القراءات المتشابكة، تبرز سيرة المقدم محمود الأسطل كما ينقلها المقربون، لتقدّم صورة رجل بدأ العمل الدعوي والميداني مبكرًا، واستمر قرابة أربعين عامًا في العمل الأمني والميداني، كان خلالها – وفق شهادات زملائه – رمزًا يجمع بين الهيبة والبساطة والفكاهة. عاش المجاعة مثل الناس، ورفض أن يستفيد من أي طعام يُصادر من قطاع الطرق، وظل يعمل بلا توقف حتى وهو في المستشفى، مدركًا أن الاستهداف قادم لكنه لم يتراجع عن موقعه.
بهذا المعنى، لا يُختزل اغتيال محمود الأسطل في كونه عملية أمنية ناجحة نفذها متعاونون مع الاحتلال، بل يتجاوز ذلك إلى كونه حلقة جديدة في مسلسل استهداف النسيج الاجتماعي، ومحاولة لضرب الثقة في القيادات الأمنية، وامتحانًا جديدًا لمجتمع يواجه الحرب والحصار والخطر الداخلي في آن واحد، بينما يحاول الحفاظ على ما تبقى من تماسكه في وجه الضربات المتكررة.

