محمد بيات

باحث ومحلل سياسي متخصص في شؤون السياسة الخارجية الإيرانية

 

شهدت إيران خلال العشرين يومًا الأخيرة موجة من الاحتجاجات الداخلية اتسمت بصعود وهبوط ملحوظين. ففي الأيام الأخيرة من عام 2025، خرجت الأسواق في طهران في احتجاجات وإضرابات اقتصادية، اعتراضا على الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار.

 

وقد شكلت أسواق طهران الكبرى، وشارع الجمهورية، وسعدي، وبعض المراكز الاقتصادية الأخرى، مسرحا لتلك التحركات.

 

سارعت الحكومة الإيرانية إلى الاعتراف بشرعية هذه المطالب، وأعلنت أن "باستور" (مقر رئاسة الوزراء) أقر جملة من السياسات الاقتصادية الجديدة لتخصيص العملات الأجنبية، وضبط الأسعار، وتوفير قسائم إلكترونية للسلع الأساسية، بهدف تهدئة الشارع الغاضب.

 

وبعد أيام قليلة، اتسع نطاق هذه الاحتجاجات بشكل لافت ليطال مناطق أخرى مثل لرستان، ومشهد، وإيلام، وشيراز، وغيرها. وفي خضم ذلك، أعلن مسؤولون أميركيون وإسرائيليون رفيعو المستوى، من بينهم وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، بشكل رسمي، أن "عناصر من الموساد" تتواجد إلى جانب "المحتجين" في إيران.

 

كما أفصح بعض مسؤولي اليمين المتطرف في الإدارة الأميركية عن معرفتهم الجيدة بكيفية تسليح الأفراد داخل إيران.

 

بدوره، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة على منصته "تروث سوشيال"، هدد فيها بأن الولايات المتحدة "مستعدة للرد" إذا ما أقدمت الحكومة الإيرانية على استخدام العنف ضد المحتجين. وأمام هذا التصعيد، يتساءل المحللون والمراقبون الدوليون: هل ينوي ترامب تكرار سيناريو فنزويلا، واللجوء إلى عمل عسكري ضد إيران، أم إنه بصدد اتخاذ مسار مغاير؟

 

دعم المحتجين أم تدخل في شؤون إيران الداخلية؟

 

رغم أن الوثيقة الأمنية الوطنية الأميركية الجديدة تنتقد صراحة سياسة "التدخل في الشؤون الداخلية" للدول الأخرى، فضلا عن "الحروب التي لا تنتهي"، فإن الواقع يشير إلى أن البيت الأبيض لا يرى أي حرج في استخدام أدوات متعددة في ملفات خلافية كفنزويلا، وإيران، والحرب الأوكرانية.

 

وفي واحدة من أحدث المغامرات التدخلية لواشنطن، قامت قوات "دلتا فورس" الأميركية، بالتنسيق مع جهاز مكافحة المخدرات، بمهاجمة العاصمة الفنزويلية كاراكاس، واختطفت الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو.

 

هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ العلاقات الدولية بررته واشنطن بأنه "جزء من الحرب على الناركوتيرورزوم"، وأن مادورو سيحاكم أمام محكمة في نيويورك.

 

لكنّ منتقدي ترامب في الحزب الديمقراطي، وكذلك أنصار حركة "ماغا"، يرون أن هذا التدخل لم يكن بدافع حماية الديمقراطية، بل سعيا من واشنطن لوضع يدها على "موارد النفط" الفنزويلية.

 

وفي ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار الأميركية إلى البيت الأبيض: هل سيتراجع ترامب عن وعوده الانتخابية مجددا، ويخضع لضغوط لوبيات إسرائيل وكارتيلات الاقتصاد؟ أم إنه سيلتفت إلى المساعي الدبلوماسية عبر وساطات بعض الدول مثل عمان، وقطر، وينأى عن التصعيد مع طهران؟

 

تحالف المعارضة الملكية مع إسرائيل

 

عقب الحرب التي دامت 12 يوما بين طهران وتل أبيب، وجهت انتقادات واسعة من إيرانيي الخارج إلى رضا بهلوي (نجل محمد رضا شاه) بسبب تأييده التدخل العسكري الأجنبي ضد إيران.

 

وقد رأت شرائح من الرأي العام الإيراني- بصرف النظر عن موقفها من الجمهورية الإسلامية- أن حل مشكلات الداخل الإيراني ينبغي أن يكون "من الداخل" وبإرادة شعبية، وأن كل محاولة للاستقواء بالخارج تعد "خيانة" تستوجب "الإدانة".

 

وبعد ثمانية أشهر، ومع تصاعد موجة الاحتجاجات في الداخل، عاد رضا بهلوي إلى الواجهة، بدعم من قناة "إيران إنترناشونال" الفضائية والدولة الإسرائيلية، معلنا نفسه "قائدا" للاحتجاجات، وداعيا إلى تحركات شاملة أيام 18 إلى 21 من شهر يناير.

 

ورغم أن بعض شعارات المتظاهرين في عدد من المدن أيدت رضا بهلوي، فإن السؤال الأهم ظل قائما: كم عدد هؤلاء المتظاهرين؟ وهل يمكن اعتبارهم "صوت الأغلبية" في إيران؟ وتتعمق هذه الشكوك حين نعلم أن تلك الدعوات أسفرت عن مقتل عدد كبير من المدنيين وعناصر الأمن، فضلا عن تدمير واسع للبنى التحتية، كشبكات النقل، ومتاجر المواد الغذائية، والبنوك.

 

في المقابل، خرج أنصار النظام الإيراني والمناهضون للتصعيد المسلح يوم الاثنين 12 يناير، مؤكدين دعمهم للاحتجاجات السلمية الاقتصادية، ومنددين بكل أشكال العنف والإرهاب في البلاد.

 

الأوقات الإضافية وصراع الإرادات

 

في ذلك اليوم، وخلال التجمع الجماهيري الكبير في ميدان "الثورة الإسلامية" بطهران، أدلى محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بتصريح لافت رد فيه على تهديدات ترامب، قائلا:

 

"تعالَ لترى ما الذي سيلحق بقواعدك وسفنك وجنودك. تعال لتكتوي بنار المدافعين عن إيران، نار ستجعل منك عبرة لكل الطغاة في التاريخ الأميركي. سنؤدب هؤلاء الحكام الظالمين، فتعال لترى حينما تشتعل المنطقة، ما هي العواقب الوخيمة التي ستواجهها".

 

هذا التصريح غير المسبوق من أحد أعمدة السلطة في إيران، يأتي في وقت لم تتوسع فيه الحرب السابقة بين طهران وتل أبيب- رغم استهدافها مواقع إستراتيجية في إسرائيل- إلى عموم المنطقة.

 

ويبدو من كلام قاليباف أن إيران لن تكتفي بـ"الرد" إذا ما وقعت الحرب، بل ستدرس خيار "الضربة الاستباقية"، بما قد يستهدف سلاسل الطاقة والإمداد في المحيط الهندي وشماله.

 

فتح "صندوق باندورا" في العلاقات الإيرانية الأميركية

 

ستكشف الساعات والأيام القادمة الاتجاه الذي سيسلكه مسار التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران. ورغم أن خمس جولات من المحادثات غير المباشرة بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف، برعاية عمانية في مسقط وروما، قد أطلقت بارقة أمل في "احتواء الأزمة"، فإن اندلاع "حرب الـ12 يوما"، ثم "الاحتجاجات الاقتصادية"، قد غيرا المشهد كليا، وألقيا بظلال قاتمة على مستقبل العلاقات الثنائية.

 

اليوم، يترقب المجتمع الدولي ما إذا كان ترامب سيرضخ لضغوط اللوبيات "الحربية" والإسرائيلية، ويمضي في "مغامرة عسكرية جديدة" بذريعة نصرة المحتجين، يستهدف بها المراكز السياسية والنووية والصاروخية الإيرانية، أم إنه سيحترم تعهداته الانتخابية، ويعود إلى مسار الدبلوماسية عبر بوابة الفريق الاقتصادي في البيت الأبيض.

 

في خضم ذلك، وضعت الجمهورية الإسلامية نفسها في حالة "استنفار كامل"، استعدادا لأسوأ السيناريوهات، وتعمل على استكمال "بنك أهداف" يمتد إلى مواقع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وإلى الكيان الصهيوني في شتى أنحاء الشرق الأوسط.

 

ويبقى السؤال الكبير: هل يفتح "صندوق باندورا" في علاقات إيران وأميركا؟ الأيام القادمة وحدها من ستجيب!