تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الساعات والأيام الأخيرة، مع اتساع رقعة الاحتجاجات في الداخل الإيراني وتحوّلها تدريجيًا إلى صدام بين المتظاهرين وقوات الأمن، في ظل تبادل اتهامات غير مسبوق بين طهران وواشنطن.
وبينما تتهم القيادة الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي لتحويل الشارع إلى ساحة حرب أهلية، يلوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما وصفه بـ"خيارات قوية جدًا" ضد النظام الإيراني، في مشهد يعيد إلى الأذهان شبح المواجهة المباشرة بين الطرفين في منطقة مشتعلة أصلًا.
احتجاجات اقتصادية تتحول إلى مواجهة دامية
وفق المعطيات المتداولة، بدأت شرارة الاحتجاجات قبل نحو أسبوعين في العاصمة طهران، على خلفية التدهور المتسارع في الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات وفرص العمل. ورغم انطلاقها بمطالب معيشية، سرعان ما انتقلت التظاهرات إلى مدن أخرى واكتسبت بعدًا سياسيًا أكثر حدة، مع ارتفاع سقف الشعارات إلى حد المطالبة بإسقاط النظام، وسط تقارير حقوقية تشير إلى مقتل ما يزيد على 500 شخص في الاشتباكات وأعمال العنف المرتبطة بها.
خطاب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعكس رواية رسمية تعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد احتجاجات شعبية، بل مسارًا "تمت قرصنته" من قوى خارجية. عراقجي أوضح في كلمة متلفزة أمام دبلوماسيين في طهران أن التحركات التي انطلقت في 28 ديسمبر الماضي كانت في بدايتها "هادئة ومشروعة" احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تنحرف – من وجهة نظره – اعتبارًا من الأول من يناير لتتحول إلى "حرب إرهابية على البلاد" بفعل تدخل مجموعات مسلحة.
وتؤكد الرواية الإيرانية أن السلطات حاولت في الأيام الأولى احتواء الاحتجاجات عبر الحوار والاستماع للمطالب، غير أن دخول عناصر "إرهابية" على الخط، واندساس مسلحين بين المتظاهرين، أدى إلى انفلات زمام الأمور وتصاعد غير مسبوق في منسوب العنف. وتشير تصريحات عراقجي إلى أن جزءًا من الضحايا سقط برصاص "أُطلق من الخلف"، في محاولة لإثبات وجود طرف ثالث يسعى إلى تأجيج الصدام بين المتظاهرين وقوات الأمن ودفع المشهد نحو الفوضى الشاملة.
اتهامات مباشرة لواشنطن وتل أبيب بالتأجيج والتسليح
في سياق تحميله المسؤولية للخارج، اتهم عراقجي الولايات المتحدة بشكل مباشر بإمداد المتظاهرين بالسلاح، معتبرًا أن تصريحات ترامب المؤيدة للاحتجاجات تمثل "تدخلًا سافرًا في الشأن الإيراني الداخلي" وتصب الزيت على النار. كما لم يوفر جهاز "الموساد" من الاتهامات، مشيرًا إلى "معلومات استخباراتية" عن دور إسرائيلي في تدريب وتمويل مجموعات تسعى لتحويل التظاهرات إلى تمرد مسلح.
ويقول عراقجي إن لدى بلاده "وثائق وصورًا" توثق عمليات توزيع أسلحة على بعض المتظاهرين، إضافة إلى تسجيلات صوتية تتضمن أوامر لعناصر مسلحة باستهداف المدنيين وقوات الأمن على حد سواء. ورغم عدم نشر هذه المواد للرأي العام حتى الآن، تستخدمها طهران لتبرير الإجراءات الأمنية المشددة، بما في ذلك قطع الإنترنت عن معظم مناطق البلاد لفترات، بدعوى الحفاظ على الاستقرار ومنع "الحرب الهجينة" من تحقيق أهدافها.
بالتوازي، يحرص المسؤولون الإيرانيون على توجيه رسالة مفادها أن "الدولة ما زالت ممسكة بزمام السيطرة". فقد أكد عراقجي أن قوات الأمن تفرض سيطرة كاملة على الأراضي الإيرانية، وأن الأجهزة الاستخباراتية تراقب بدقة تحركات ما يصفه بـ"العناصر التخريبية". وفي نبرة تجمع بين التصعيد والانفتاح، شدد على أن طهران "مستعدة للحرب وأيضًا للحوار"، مشيرًا إلى استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة مع واشنطن عبر وسطاء، من بينها القناة السويسرية.
تلويح أمريكي بـ«خيارات قوية جدًا» ومخاوف من مواجهة أوسع
على الجانب الآخر من المشهد، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حريصًا على تقديم نفسه كراعٍ وداعم للاحتجاجات الإيرانية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إدارته تدرس "كل الخيارات" للتعامل مع التطورات. ففي تصريحات أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية، قال ترامب إنه يتلقى تقارير "كل ساعة" عن الوضع في إيران، معتبرًا أن ما يجري "يتجاوز الخط الأحمر" الذي حدده للنظام الإيراني، ومعلنًا أن الجيش يدرس "خيارات قوية جدًا" سيتم اتخاذ قرار بشأنها.
التسريبات الصحفية الأمريكية تتحدث عن اجتماع مرتقب يحصل خلاله ترامب على إحاطة مفصلة بشأن سيناريوهات الرد على طهران، تبدأ من تعزيز الدعم الرقمي للمعارضة وتوفير بدائل للإنترنت عبر شركات تكنولوجية كبرى، مرورًا بشن هجمات إلكترونية تستهدف بنى تحتية حساسة، ووصولًا إلى فرض عقوبات إضافية أو حتى تنفيذ ضربات عسكرية محدودة.
غير أن هذه الخيارات، مهما بدت جذابة للبعض داخل الإدارة الأمريكية، تصطدم بتحذيرات تيار آخر يخشى أن يؤدي أي تدخل مباشر إلى تصعيد إقليمي يصعب التحكم في مساراته. فالتجربة السابقة من التوترات بين إيران والولايات المتحدة، سواء على الساحة العراقية أو في مياه الخليج، تُظهر أن طهران تمتلك من الأدوات ما يتيح لها الرد عبر وكلاء أو عبر استهداف مصالح أمريكية وحليفة في المنطقة، وهو ما يعني أن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع تشمل إسرائيل ودولاً عربية.
وتتضاعف المخاوف من الانزلاق نحو هذا السيناريو في ضوء سوابق التصعيد العسكري في المنطقة، بما في ذلك جولات الغارات المتبادلة والحروب القصيرة التي شاركت فيها قوى إقليمية ودولية خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل واقع إقليمي ملتهب أصلًا، من ساحات الصراع في سوريا والعراق واليمن، تبدو أي مغامرة جديدة محفوفة بمخاطر انهيار ما تبقى من استقرار هش، ودفع المنطقة إلى حافة صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنتائجه على المدىين القريب والمتوسط.

