دخلت إيران يومها الرابع عشر من أكبر موجة احتجاجات تشهدها منذ سنوات، في مشهد يتجاوز كونه اضطرابًا اجتماعيًا عابرًا إلى كونه اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام على احتواء غضب متراكم، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، وتصعيد أمني غير مسبوق، وصراع سياسي مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أرقام القتلى، حجب الإنترنت، التحذيرات العسكرية، والدعم الأمريكي المعلن للمتظاهرين، كلها عناصر تجعل ما يجري في الشارع الإيراني أبعد بكثير من مجرد احتجاجات مطلبية.
وبينما تصرّ السلطات في طهران على توصيف ما يحدث باعتباره “أعمال شغب مدفوعة من الخارج”، يرى خبراء أن المشهد أكثر تعقيدًا، وأن جذور الأزمة داخلية في الأساس، حتى وإن جرى توظيفها إقليميًا ودوليًا.
الشارع يغلي: احتجاجات متواصلة وسقوط قتلى وحجب للإنترنت
شهدت مدن إيرانية كبرى، مساء أمس، تظاهرات حاشدة جديدة ضد الحكومة، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع التضخم، بعد يوم واحد من احتجاجات واسعة يوم الخميس، اتسمت بتصعيد كبير وصل إلى حد الاشتباكات المباشرة وقطع الإنترنت.
وخرج محتجون في أحياء متفرقة من العاصمة طهران، مرددين شعارات مناهضة للنظام والمرشد الأعلى علي خامنئي، وسط انتشار أمني مكثف.
وامتدت التظاهرات إلى مدن أخرى، حيث شهدت بعض المناطق أعمال عنف واشتباكات محدودة، فيما تحدثت وسائل إعلام رسمية عن إضرام النار في منشآت عامة، واتهمت ما وصفته بـ“مثيري شغب” بالوقوف وراءها.
وفي المقابل، بث التلفزيون الرسمي لقطات لجنازات عناصر من قوات الأمن قال إنهم قُتلوا خلال مواجهات مع محتجين.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، فرضت السلطات قيودًا مشددة على الإنترنت شملت حجبًا واسعًا للاتصالات، في خطوة بررتها بمحاولة “منع الفوضى”.
غير أن منظمات حقوقية حذّرت من أن هذه الإجراءات تُستخدم لتسهيل قمع المتظاهرين بعيدًا عن أعين العالم.
ولا توجد حصيلة رسمية لعدد القتلى والمصابين، لكن منظمة “إيران هيومن رايتس” تشير إلى مقتل 51 متظاهرًا على الأقل، بينهم 9 دون سن الـ18 عامًا، وهو رقم يعكس حجم العنف المستخدم في مواجهة الشارع.
وخلال الليلة الماضية، قرع محتجون الأواني في حي سعادت آباد شمال غرب طهران، ورددوا هتافات من بينها “الموت لخامنئي”، في مشهد يعكس انتقال الغضب من المطالب المعيشية إلى الهتاف السياسي المباشر.
النظام يرد: خطاب التخوين والتحذير من “مرتزقة الأجانب”
في مواجهة هذا التصعيد، تبنّت القيادة الإيرانية خطابًا هجوميًا واضحًا. وقال المرشد الإيراني علي خامنئي إن “المحتجين يتصرفون نيابةً عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب”، معتبرًا أن “مثيري الشغب يهاجمون الممتلكات العامة”، ومحذرًا من أن طهران لن تتهاون مع من وصفهم بـ“مرتزقة للأجانب”.
ونقل موقع خامنئي عنه قوله لأنصاره: “الشباب العزيز حافظوا على جاهزيتكم ووحدتكم”، مؤكدًا أن “الأمة الموحدة تتغلب على أي عدو”.
وفي ثاني كلمة له منذ بدء الاحتجاجات، قال إن “المحتجين يحطمون شوارعهم من أجل إسعاد رئيس دولة أخرى”، مضيفًا أن دونالد ترامب “المتعجرف سوف يسقط، على غرار نظام الشاه الذي حكم إيران حتى انتصار الثورة الإسلامية عام 1979”.
بالتوازي، تعهّد الجيش الإيراني بحماية “المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة”، داعيًا المواطنين إلى “اليقظة” لإحباط ما وصفه بـ“مؤامرات العدو”.
كما حذّر الحرس الثوري، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، من أن الحفاظ على أمن البلاد ومكتسبات ثورة 1979 “خط أحمر”، متهمًا “إرهابيين” باستهداف قواعد عسكرية وأمنية خلال الليلتين الماضيتين، ما أسفر عن مقتل مدنيين وعناصر أمن، وإضرام النار في ممتلكات عامة.
ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن هذا الخطاب يعكس قناعة راسخة لدى النظام بأن أي حراك شعبي واسع لا يمكن فصله عن التدخل الخارجي، وهي مقاربة تتيح تبرير القبضة الأمنية، لكنها لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الناس إلى الشارع.
أمريكا في المشهد وعودة بهلوي: صراع داخلي بأبعاد دولية
في المقابل، أعلنت واشنطن موقفًا داعمًا للمتظاهرين. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن بلاده تدعم “الشعب الإيراني الشجاع”، بينما وجّه الرئيس دونالد ترامب تحذيرًا جديدًا لقادة إيران قائلًا: “من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنطلق النار أيضًا”.
هذه التصريحات عززت سردية طهران حول “التدخل الخارجي”، لكنها في الوقت نفسه منحت المحتجين شعورًا بأن تحركاتهم تحظى باهتمام دولي.
ومع استمرار الاحتجاجات، دخل رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، على خط الأحداث، داعيًا المتظاهرين إلى “الاستعداد للسيطرة على مراكز المدن”.
وقال بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة، في منشور عبر منصة إكس، إن الهدف “لم يعد السيطرة على الشوارع فقط، بل الاستعداد للاستيلاء على مراكز المدن والسيطرة عليها”، مطالبًا الإيرانيين بالنزول إلى الشوارع مساء السبت والأحد، ومؤكدًا استعداده “للعودة إلى وطني” في يوم قال إنه “قريب جدًا”.
على الصعيد الدبلوماسي، اتهم السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني الولايات المتحدة بالمسؤولية عن “تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف هدامة”، معتبرًا أن واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، تتدخل في الشؤون الداخلية لإيران.
كما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن بتأجيج الاحتجاجات، وهو ما ردت عليه الخارجية الأمريكية بالقول إن هذه الاتهامات “محاولة لصرف الأنظار عن التحديات الجسيمة التي يواجهها النظام في الداخل”.
ويجمع خبراء على أن الاحتجاجات، التي انطلقت قبل نحو أسبوعين بسبب ارتفاع التضخم وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تحولت بسرعة إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
ومع استمرار سقوط الضحايا واتساع دائرة الغضب، يبدو أن إيران دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم يعد السؤال: هل ستستمر الاحتجاجات؟ بل: إلى أي حد يمكن أن تصل، وما الثمن الذي سيدفعه الشارع والنظام معًا.

