رغم سنوات من الحديث الرسمي عن “ميكنة المنظومة الضريبية” و”توسيع القاعدة الضريبية” و”تحقيق العدالة”، تكشف بيانات جمعية خبراء الضرائب المصرية عن واقع مغاير تمامًا، يتمثل في استمرار نزيف التهرب الضريبي على نطاق واسع، وحرمان الخزانة العامة من نحو 800 مليار جنيه سنويًا، في وقت تتزايد فيه الأعباء على المواطنين، وتُفرض فيه ضرائب ورسوم متلاحقة على الفئات الملتزمة أصلًا.
اللافت أن هذه الأرقام الصادمة تصدر تزامنًا مع بدء موسم تقديم الإقرارات الضريبية، ومع التوسع في تطبيق منظومة الفاتورة والإيصال الإلكتروني، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى السياسات المتبعة، ومن يدفع الثمن الحقيقي لفشل التحصيل.
رقمنة بلا عائد حقيقي
بحسب بيان جمعية خبراء الضرائب المصرية، فإن التهرب الضريبي لا يزال يستنزف نحو 800 مليار جنيه سنويًا، رغم تراجع نسبته – نظريًا – من 55% إلى 40% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهو تراجع لا يعكس تحسنًا جوهريًا بقدر ما يكشف عن اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي مقارنة بالاقتصاد الخاضع للرقابة.
ويؤكد أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، أن أخطر ما في الأمر ليس الرقم وحده، بل دلالته، موضحًا أن “استمرار هذا الحجم من التهرب يعني أن الدولة تفشل في الوصول إلى القطاعات الأكبر والأكثر ربحية، بينما تركز جهودها على الممولين الملتزمين أصلًا”.
وأضاف عبد الغني أن التوسع في الأنظمة الإلكترونية لم يُترجم إلى زيادة حقيقية في الحصيلة، بسبب ضعف التطبيق، وانتقائية الرقابة، وغياب الإرادة السياسية لمواجهة كبار المتهربين، معتبرًا أن “الرقمنة تحولت إلى عبء إداري جديد بدلًا من كونها أداة إصلاح”.
العدالة الضريبية الغائبة
من جانبه، يرى الدكتور محمد البنا، خبير الضرائب والمحاسبة، أن التهرب الضريبي في مصر لم يعد مجرد مخالفة قانونية، بل أصبح “نمطًا اقتصاديًا شبه مستقر”، تغذيه فجوة الثقة بين الدولة والممولين، وسياسات تُحمّل الفئات المنظمة أعباءً مضاعفة، بينما تترك مساحات واسعة خارج المنظومة.
ويشير البنا إلى أن أبرز صور التهرب تتمثل في إخفاء الأرباح الحقيقية، والتلاعب في الدفاتر، وتزوير الفواتير، وهي ممارسات معروفة للأجهزة الضريبية، لكنها تُواجَه – بحسب تعبيره – بـ”انتقائية في التفتيش، وبطء في الفصل، وتسويات تفتقر للشفافية”.
ويضيف أن استمرار التهرب بهذا الحجم يضرب مبدأ العدالة الضريبية في مقتل، حيث يدفع الملتزمون الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب المباشرة، ومرة عبر تراجع جودة الخدمات العامة التي يُفترض تمويلها من هذه الحصيلة.
قوانين صارمة… تطبيق هش
على الورق، تبدو القوانين الضريبية المصرية شديدة الصرامة. فوفق قانون الإجراءات الضريبية الموحد، تبدأ غرامات عدم تقديم الإقرارات من 50 ألف جنيه وتصل إلى مليوني جنيه، مع عقوبات حبس تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات في حال التكرار. كما ينص قانون الضريبة على القيمة المضافة على الحبس من 3 إلى 5 سنوات وغرامات تصل إلى 50 ألف جنيه.
لكن الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل، يرى أن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في التطبيق، موضحًا أن “القوانين تُستخدم غالبًا ضد صغار ومتوسطي الممولين، بينما تُفتح أبواب التصالح والتسوية لكبار المتهربين، ما يُفرغ الردع من مضمونه”.
ويشير نافع إلى أن إتاحة التصالح بنسب تبدأ من 100% قبل الإحالة للمحكمة، وترتفع إلى 175% بعد الحكم، تحولت عمليًا إلى “نظام تسعير للتهرب”، حيث يغامر البعض بالتهرب طالما أن أقصى الخسائر يمكن احتواؤها بتسوية لاحقة.
من يدفع ثمن الفشل؟
في المحصلة، لا يبدو أن خسارة 800 مليار جنيه سنويًا مجرد رقم محاسبي، بل هي انعكاس مباشر لفشل هيكلي في إدارة المنظومة الضريبية. فهذه المليارات كان يمكن أن تُموّل تحسين التعليم والصحة والنقل، أو تخفف العبء عن الفئات الملتزمة، بدلًا من اللجوء المستمر إلى الاقتراض وفرض ضرائب جديدة.
ويرى الخبراء أن معالجة التهرب لا تبدأ بمزيد من الغرامات أو المنصات الإلكترونية، بل بإصلاح جذري يشمل دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتوسيع القاعدة الضريبية الحقيقية، وتحقيق المساواة في التطبيق، وكسر الحماية غير المعلنة عن كبار الممولين.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل موسم الإقرارات الضريبية مناسبة سنوية لإعادة طرح السؤال نفسه: لماذا تفشل الدولة في تحصيل حقها من القادرين، بينما تنجح دائمًا في تحميل الفاتورة لمن لا يملكون التهرب؟

