أثارت تصريحات علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، بشأن فتح باب استيراد الدواجن حال ارتفاع الأسعار، موجة واسعة من الجدل داخل قطاع إنتاج الدواجن، وفتحت الباب أمام تساؤلات حادة حول منطق إدارة السوق. فبينما تقدم الحكومة الاستيراد كأداة سريعة لـ«ضبط الأسعار»، يرى المنتجون والخبراء أن هذا التهديد المتكرر لا يعالج جذور الأزمة، بل يفاقمها، ويقوض صناعة محلية توظف ملايين وتعد ركيزة للأمن الغذائي. السؤال الأهم: لماذا تلجأ الدولة للحلول السهلة قصيرة الأجل، بدل إصلاح اختلالات هيكلية تعرفها جيدًا؟

 

الاستيراد كعصا تهديد.. لا سياسة سوق

 

في تصريحات تلفزيونية، أكد وزير الزراعة أن الدولة لن تتردد في زيادة استيراد الدواجن المجمدة إذا شهدت الأسواق قفزات «غير مبررة»، معتبرًا الاستيراد وسيلة ضغط لحماية المستهلك. لكن هذا الطرح، وفق خبراء، يختزل الأزمة في سعر نهائي ويتجاهل سلسلة إنتاج كاملة تعاني من تقلبات حادة في التكاليف والتمويل والسياسات.

 

الاستيراد، حين يُستخدم كأداة تهديد متكررة، يبعث برسالة سلبية للمستثمرين والمربين: لا استقرار في القواعد. وهو ما ينعكس فورًا على قرارات التسكين والتوسع. فالمربي الذي يخشى إغراق السوق بدواجن مستوردة عند أول ارتفاع، سيتراجع عن الاستثمار، ما يقلص المعروض لاحقًا ويعيد إنتاج الأزمة نفسها. هكذا تتحول «حماية المستهلك» إلى دائرة مفرغة.

 

المنتجون: الأسعار موسمية والضغط يقتل الصناعة

 

يرفض اتحاد منتجي الدواجن تحميل المنتج المحلي مسؤولية الارتفاعات الأخيرة. ويؤكد د. ثروت الزيني، نائب رئيس الاتحاد، أن السوق شهد توازنًا في المعروض، وأن الزيادات كانت مؤقتة ومرتبطة بمواسم الطلب، خاصة أعياد الأقباط، وقد بدأت بالفعل في التراجع. ويشدد على أن الدواجن سلعة حية تتأثر يوميًا بالعرض والطلب، وأن التلويح بالاستيراد «يهز الثقة» ويضر باستمرارية صغار المربين.

 

من جهته، يوضح أحمد نبيل، عضو اتحاد منتجي الدواجن، أن المنتج لا يملك عصا سحرية للتحكم في الأسعار. فالضغوط الحقيقية تأتي من ارتفاع أسعار الكتاكيت، وتذبذب أسعار الأعلاف المستوردة المرتبطة بالدولار، فضلًا عن الطاقة والنقل. ويضيف أن فتح الاستيراد في أوقات الذروة يضعف الصناعة الوطنية، مستشهدًا بتجارب إقليمية—مثل العراق—التي قيدت الاستيراد لحماية المنتج المحلي وتحقيق استقرار طويل الأمد.

 

جذور الأزمة: أعلاف مستوردة وسياسات متقلبة

 

يرى خبراء الاقتصاد الزراعي أن المشكلة أعمق من «قفزة سعرية». الاعتماد الكبير على مدخلات مستوردة—تتجاوز 90% من الأعلاف—يجعل القطاع رهينة لتقلبات العملة وسلاسل الإمداد. ومع غياب برنامج جاد لتوطين الذرة والصويا، أو عقود تحوط سعرية، يصبح أي اضطراب عالمي شرارة لارتفاع محلي.

 

في هذا السياق، يقول د. محمد فهيم إن تجاهل البعد الإنتاجي والبيئي خطأ متكرر، موضحًا أن دعم الزراعة التعاقدية للأعلاف، وتحديث نظم التربية لمواجهة الأمراض والمناخ، كفيلان بخفض التكلفة واستقرار الإنتاج. بينما يضيف الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن «السياسة المستقرة أهم من الدعم المؤقت»، محذرًا من أن التذبذب بين التهديد بالاستيراد والوعود بدعم المنتج يرفع المخاطر ويُسعرها داخل التكلفة النهائية.

 

الاستيراد حل مؤقت.. وكلفة دائمة

 

حتى من يقرّون بجدوى الاستيراد على المدى القصير، يحذرون من كلفته بعيدة المدى. فإغراق السوق بدواجن مجمدة قد يضغط السعر مؤقتًا، لكنه يضر بالمربين المحليين، ويقلص الإنتاج في الدورات التالية، ما يعيد الارتفاع بشكل أعنف. كما أن الاعتماد على الاستيراد يبدد العملة الصعبة، ويترك الأمن الغذائي معلقًا بقرارات خارجية.

 

المطلوب—وفق الخبراء الأربعة—حزمة متكاملة: تثبيت قواعد السوق، دعم الأعلاف المحلية، تمويل ميسر لصغار المربين، خفض تكاليف الطاقة، ونظام إنذار مبكر للطلب الموسمي. بدون ذلك، سيظل الاستيراد «مسكنًا» لا علاجًا، وستظل الحكومة تطفئ حرائق صنعتها سياساتها نفسها.

 

ختاما فتهديد السوق بالاستيراد ليس سياسة، بل اعتراف ضمني بفشل الإدارة الهيكلية. حماية المستهلك لا تتحقق بإضعاف المنتج المحلي، بل ببناء صناعة قوية مستقرة. وإلى أن تتحول الحكومة من رد الفعل إلى التخطيط، سيبقى السعر متقلبًا، والقطاع هشًا، والمستهلك أول الخاسرين.