في تصعيد جديد ينذر بتوسيع رقعة المواجهة في الضفة الغربية المحتلة؛ وجّه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الجيش بالتخطيط لعمليات سيطرة على مزيد من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في امتداد مباشر لعملية “الجدار الحديدي” التي انطلقت منذ 21 يناير/كانون الثاني 2025، وبدأت بمخيم جنين قبل أن تتوسع إلى مخيمي نور شمس وطولكرم.
وترافقت هذه العمليات مع حصار مشدد وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمتاجر، إلى جانب تحويل مبانٍ مدنية إلى مواقع عسكرية دائمة، ما أدى إلى نزوح نحو 50 ألف فلسطيني من المخيمات الثلاثة، وسط غياب أي أفق لعودة السكان أو إعادة إعمار ما دُمّر.
ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد متواصل تشهده الضفة الغربية منذ أكثر من عامين، بالتزامن مع حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول اتجاهات المرحلة المقبلة، وحدود ما يسعى الاحتلال إلى فرضه ميدانيًا وسياسيًا.
ترسيخ الاحتلال المباشر
وتشير التعليمات الصادرة عن قيادة الاحتلال إلى أن ما يجري لم يعد يندرج ضمن عمليات اقتحام محدودة أو حملات أمنية مؤقتة، بل يتجه نحو فرض نمط سيطرة عسكرية طويلة الأمد داخل مخيمات اللاجئين، عبر إنشاء نقاط مراقبة وقواعد ثابتة، وتحويل المخيمات إلى مناطق خاضعة للاحتلال المباشر.
ويعكس هذا التحول تغييرًا في العقيدة الميدانية للاحتلال، يقوم على تقويض البيئة السكنية للمخيمات، وإعادة هندستها عسكريًا، من خلال توسيع الطرق وتدمير البنية العمرانية بما يسمح بحرية حركة الآليات العسكرية الثقيلة داخل مناطق مدنية مكتظة.
وفي حال جرى توسيع هذه السياسة لتشمل مخيمات إضافية شمالي ووسط وجنوبي الضفة، فإن ذلك يعني عمليًا تفكيك الجغرافيا السكانية للمخيمات، وتحويلها إلى جيوب عسكرية معزولة، ما يكرّس واقعًا جديدًا من السيطرة لا يختلف كثيرًا عن نموذج الحكم العسكري المباشر.
ويمثل هذا السيناريو تصعيدًا خطيرًا، لأنه لا يترك مجالًا لعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه، بل يؤسس لمرحلة طويلة من الاحتكاك اليومي بين قوات الاحتلال والسكان المدنيين، مع ما يحمله ذلك من احتمالات انفجار دائم.
الانعكاسات السياسية والأمنية
سياسيًا؛ يضع توسيع عمليات السيطرة السلطة الفلسطينية أمام مأزق متفاقم، إذ تتآكل قدرتها على بسط أي نفوذ فعلي في المناطق المستهدفة، في ظل تغوّل عسكري للاحتلال يتجاوز حتى التفاهمات الأمنية القائمة.
كما يساهم هذا التصعيد في تعميق حالة الفراغ السياسي والأمني داخل المخيمات، ما يخلق بيئة مرشحة لمزيد من التوتر، سواء عبر تصاعد المواجهات المسلحة أو توسع أنماط المقاومة الشعبية، في ظل غياب أي أفق سياسي أو حماية دولية.
أما أمنيًا؛ فقد يؤدي فرض السيطرة بالقوة إلى نتائج عكسية بالنسبة للاحتلال، إذ إن التدمير والتهجير الجماعي غالبًا ما يعززان دوافع الغضب والانتقام، بدل تحقيق ما يُروّج له من “استقرار أمني”، ما يرفع احتمالات اندلاع مواجهات أوسع.
وفي هذا السياق؛ لا يمكن فصل ما يجري في الضفة عن سياق الحرب على غزة، إذ يبدو أن الاحتلال يسعى إلى منع تشكّل جبهة داخلية موازية، ولو كان الثمن إشعال الضفة بالكامل، وتحويلها إلى ساحة اشتباك مفتوحة.
البعد الإنساني
يتمثل أحد أخطر تداعيات هذا التصعيد في موجات النزوح الواسعة من المخيمات، حيث يجد عشرات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم بلا مأوى أو مصادر رزق، في ظل غياب خطط إغاثة مستدامة، واستمرار تدمير المنازل والبنية التحتية.
ويمثل هذا النزوح القسري ضربة قاسية للنسيج الاجتماعي داخل المخيمات، التي تشكّل منذ عقود بيئة جماعية متماسكة، قائمة على التضامن والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ما يهدد بتفكيكها على المدى البعيد.
كما أن استهداف المخيمات لا يمكن فصله عن بعدها الرمزي والسياسي، إذ يُنظر إليها بوصفها تجسيدًا حيًا لقضية اللاجئين وحق العودة، ما يجعل تفريغها من سكانها أو تحويلها إلى مناطق عسكرية خطوة ذات أبعاد تتجاوز الأمني.
وفي حال استمر هذا النهج؛ فإن الضفة الغربية قد تشهد أزمة إنسانية متدحرجة، تتفاقم مع عجز المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها “أونروا”، عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للنازحين في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال.
وتشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الضفة الغربية تقف على أعتاب مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها توسيع السيطرة العسكرية على المخيمات، وفرض وقائع جديدة بالقوة، دون اكتراث بالتداعيات الإنسانية أو القانونية.
وبينما يسعى الاحتلال إلى ترسيخ معادلة الردع والسيطرة، تبدو النتائج المحتملة مفتوحة على سيناريوهات أكثر انفجارًا، قد تعيد الضفة إلى قلب المواجهة الشاملة، وتكشف مجددًا هشاشة كل محاولات فرض “الاستقرار” بالقوة.
وفي ظل غياب ضغط دولي حقيقي، واستمرار الحرب على غزة؛ يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمضي الضفة نحو انفجار شامل، أم نحو واقع احتلالي أكثر قسوة وطولًا؟ الإجابة مرهونة بتطورات الميدان، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات مقلقة على ما هو قادم.

