في خطوة محسوبة تعكس محاولة يائسة لإنعاش الاقتصاد المنهك، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس في ديسمبر 2025، ليصل إجمالي الخفض خلال العام إلى 725 نقطة أساس. وجاء هذا القرار في ظل تراجع معدلات التضخم إلى 12.3% في نوفمبر مقابل 12.5% في أكتوبر، وسط توقعات بمواصلة دورة التيسير النقدي خلال عام 2026. لكن هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد المصري على استيعاب هذه التحولات دون الوقوع في فخ الدولرة، في ظل استمرار الأزمات الهيكلية وتزايد الديون الخارجية.
تخفيف أعباء الموازنة: مكسب مؤقت أم حل جذري؟
أكدت الدكتورة علياء المهدي، الخبيرة الاقتصادية، أن قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة بنسبة 1% ينعكس بشكل مباشر على تخفيف أعباء الموازنة العامة للدولة، مشيرة إلى أن حجم المديونية الحكومية وصل إلى نحو 13 تريليون جنيه، ما يعني أن خفض سعر الفائدة بهذه النسبة يؤدي إلى تقليل مدفوعات الفوائد بنحو 130 مليار جنيه. وأوضحت المهدي أن "العلاقة بين سعر الفائدة ومدفوعات الفوائد علاقة طردية، حيث يؤدي أي تراجع في أسعار الفائدة إلى انخفاض قيمة الفوائد التي تتحملها الدولة، وهو ما يمنح الحكومة مساحة أوسع لإعادة توجيه الإنفاق إلى قطاعات أكثر أولوية".
لكن المهدي حذرت في الوقت ذاته من أن أقساط وفوائد الديون تمثل نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2024/2025، كما تمثل 142% من الإيرادات. وشددت على ضرورة تقليل الاقتراض بشكل كبير، بحيث ينخفض من مستويات 12-15 مليار دولار سنويًا إلى حدود 5-6 مليارات دولار فقط، مؤكدة أن استمرار الاقتراض الخارجي بنفس الوتيرة يعني استمرار الضغط الخانق على الموازنة. وتوقعت المهدي أن يتجه البنك المركزي إلى مواصلة خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأول من عام 2026 بمعدل يتراوح بين 1% و2% في إطار السعي للسيطرة على التضخم وتقليل أعباء الفوائد.
تحفيز النمو: وعود براقة وسط واقع قاتم
يرى الدكتور عبد المطلب عبد الحميد، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات، أن خفض أسعار الفائدة يعد خطوة إيجابية للاقتصاد المصري بشكل عام، لأنه يساهم في تقليل أعباء خدمة الدين على الدولة، ويشجع في الوقت نفسه الشركات والأفراد على التوسع في الاقتراض والاستثمار، بما يدعم النشاط الإنتاجي ويعزز النمو الاقتصادي. وأشار إلى أن تراجع الفائدة يفتح المجال أمام تحسن أداء سوق المال، ويدفع شريحة من المدخرين إلى البحث عن بدائل استثمارية أخرى، مثل المشروعات الإنتاجية، وصناديق الاستثمار، والبورصة، والذهب.
لكن على أرض الواقع، يحذر المهندس هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، من أن متوسط دخل الموظف المصري يبلغ نحو 165 دولارًا شهريًا فقط، وهو ما يضع مصر في المرتبة الـ137 عالميًا من حيث متوسط الدخل. وأكد توفيق أن رفع مستوى الدخل لا يمكن أن يتحقق بمجرد القرارات الإدارية أو خفض الفائدة، بل يجب أن يرتبط بتحفيز الاستثمار الحقيقي وزيادة معدلات الإنتاج، وأن التركيز يجب أن ينصب على تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي باعتباره المحرك الأساسي لزيادة الدخول ورفع مستوى المعيشة بشكل مستدام.
كما حذر توفيق من التداعيات الاقتصادية الخطيرة للإفراط في الاستثمار العقاري، مؤكدًا أن ارتفاع نسبة الاستثمار العقاري في مصر إلى نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي — مقابل متوسط عالمي لا يتجاوز 10% — أدى إلى اختلالات هيكلية واضحة في الاقتصاد، وأن حجم الاستثمار المحتجز في القطاع العقاري يصل إلى نحو 30 تريليون جنيه. وشدد على أن هذه الأموال كان يمكن توجيهها للقطاعات الإنتاجية التي تولد فرص عمل حقيقية وتحقق نموًا اقتصاديًا مستدامًا بدلاً من حبسها في استثمارات عقارية غير منتجة.
مخاطر الدولرة: شبح يهدد الاستقرار النقدي
في ظل خفض الفائدة وتراجع عوائد الشهادات البنكية، يبرز خطر الدولرة كأحد أبرز التهديدات التي تواجه الاقتصاد المصري. فمع انخفاض جاذبية الاستثمار في الجنيه، قد يتجه المواطنون والمستثمرون إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار بحثًا عن ملاذ آمن، وهو ما يزيد الضغط على سعر الصرف ويهدد الاحتياطي النقدي. وتشير التقارير إلى أن 4 مخاطر رئيسية تهدد الاقتصاد المصري في الفترة المقبلة، منها عجز الموازنة والديون، وارتفاع معدل التضخم، وتقلبات سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وتحذر علياء المهدي من أن استمرار التوترات الإقليمية وخروج الأموال الساخنة من السوق المصرية يُشكل تحديًا مزدوجًا؛ فهو من جهة يُفقد السوق أحد مصادر التمويل الأجنبية السريعة، ومن جهة أخرى يُحدث خللًا في التوازن بين العرض والطلب على العملة الأجنبية، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع سعر الصرف وزيادة الضغوط التضخمية. كما أن تأثر القطاعات الأساسية المدرة للنقد الأجنبي، مثل السياحة وقناة السويس، في حال طال أمد الصراعات الإقليمية، سيفاقم من أزمة الدولرة ويهدد الاستقرار النقدي برمته.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال المطروح: هل ينجح خفض الفائدة في تحقيق النمو المنشود وتخفيف أعباء الدين، أم أنه سيفتح الباب أمام موجة جديدة من الدولرة وهروب رؤوس الأموال، في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية تعالج جذور الأزمة الاقتصادية المستفحلة؟

