خرج مصطفى مدبولي رئيس حكومة السيسي في لحظة احتفالية من العاصمة الإدارية الجديدة ليبشر المصريين بـ"مؤشرات إيجابية" و"سنوات قادمة من التقدم والتنمية"، في خطاب متكرر ممل أصبح علامة فارقة لحكومة منفصلة تماماً عن الواقع. بينما يتحدث مدبولي عن "التعافي التدريجي" و"الاتجاه الصحيح"، يواجه المصريون ارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وتآكلاً مستمراً في الدخول، وضغوطاً غير محتملة على المعيشة اليومية.

الفجوة بين خطاب الطمأنة الحكومي والكارثة الاقتصادية الحقيقية لم تعد مجرد اختلاف في التقييم، بل أصبحت دليلاً صارخاً على نظام يعيش في عالم موازٍ من القصور والمشروعات الفخمة، بينما يغرق الشعب في الفقر والديون.

 

مدبولي الذي اعترف مؤخراً أن الدين العام وصل 15 تريليون جنيه وأن 96% من الإيرادات تذهب لدفع فوائد الديون، يخرج ليتحدث عن "مستقبل مشرق" دون أن يشرح كيف ستتحقق هذه المعجزة في ظل اقتصاد منهار. هذا ليس تفاؤلاً، بل تضليل ممنهج وخداع متعمد لشعب يعاني يومياً من فشل حكومته.

 

خطاب الطمأنة الفارغ: كذب متكرر بلا أثر

 

النمط المتكرر من خطاب مدبولي أصبح مثيراً للسخرية: في كل أزمة يخرج ليؤكد أن "الدولة تسير في الاتجاه الصحيح" وأن "الضغوط مؤقتة" وأن "الانفراجة قريبة". هذا الخطاب يتكرر منذ سنوات، والنتيجة دائماً واحدة: مزيد من الانهيار، مزيد من الديون، مزيد من الفقر. متى ستأتي هذه "الانفراجة" التي يعد بها منذ عام 2018؟ متى سيشعر المواطن بهذا "التعافي التدريجي" الوهمي؟

 

المؤشرات الكلية التي تتحدث عنها الحكومة (احتياطي النقد، الاستثمارات، مشروعات البنية التحتية) لا تعني شيئاً للمواطن الذي لا يستطيع شراء الخبز أو دفع إيجار شقته أو علاج أولاده. الاحتياطي النقدي قد يكون ارتفع، لكن عن طريق الاستدانة المستمرة، والاستثمارات معظمها في قطاعات لا توظف ملايين العاطلين، ومشروعات البنية التحتية تُبنى بقروض ستسددها أجيال قادمة.

 

مدبولي يعيش في فقاعة معزولة عن الشارع. يلقي خطاباته من العاصمة الإدارية الفخمة، محاطاً بالوزراء والمستشارين، بينما على بعد كيلومترات قليلة يقف المواطن المصري في طوابير العيش والبنزين، يحسب كل قرش قبل إنفاقه، يتساءل كيف سيوفر مصروف أولاده الشهر القادم. هذه هي الحقيقة التي لا يراها أو يتجاهلها رئيس الوزراء المنفصل عن الواقع.

 

العاصمة الإدارية: قصور فخمة وشعب يجوع

 

مدبولي يقدم العاصمة الإدارية بوصفها "درة تاج الجمهورية الجديدة" و"نموذج التنمية الحديثة"، لكنه يتجاهل السؤال الجوهري: لماذا تبني الدولة عواصم إدارية بمليارات الدولارات بينما المستشفيات العامة تنهار والمدارس الحكومية لا تصلح للتعليم؟ لماذا تُنفق ثروات على قصور رئاسية وأبراج فخمة بينما ملايين المصريين يعيشون تحت خط الفقر؟

 

العاصمة الإدارية ليست إنجازاً، بل فضيحة أخلاقية واقتصادية. إنها رمز لنظام يهتم بالمظاهر والفخامة أكثر من اهتمامه بشعبه. كل جنيه أُنفق في هذه العاصمة كان يجب أن يذهب لتحسين التعليم والصحة ودعم الفقراء. لكن أولويات النظام واضحة: قصور للحكام، وبؤس للمحكومين.

 

النقاش حول "أولويات الإنفاق" الذي يحاول مدبولي تجاهله هو نقاش مشروع تماماً. المشروعات الكبرى التي يفتخر بها لم تعالج البطالة، ولم تخفض الأسعار، ولم تحسن مستوى المعيشة. بل على العكس، زادت الديون وفاقمت الأزمة. هذا ليس تنمية، بل إهدار منظم للموارد على حساب الشعب.

 

فشل يُباع على أنه نجاح: عندما يصبح الكذب سياسة رسمية

 

الدور السياسي لرئيس الحكومة يتطلب بعض التفاؤل والطمأنة، هذا صحيح. لكن هناك فرق بين التفاؤل المبني على حقائق والكذب الصريح. مدبولي لا يقدم تفاؤلاً، بل يبيع أوهاماً. يتحدث عن "سنوات قادمة من التقدم" دون أن يقدم أي خطة واضحة أو جدول زمني أو مؤشرات قابلة للقياس.

 

منصات التواصل الاجتماعي تفضح هذا الخطاب يومياً. المصريون لا يصدقون مدبولي، ولا يثقون بوعوده، لأنهم جربوا هذا الخطاب مئات المرات ولم يروا أي نتيجة. "الشارع لا يثق" ليس مجرد عنوان، بل حقيقة موثقة في كل استطلاع رأي، في كل تعليق على الإنترنت، في كل محادثة يومية بين المواطنين.

 

المشكلة أن مدبولي يعتبر دوره "امتصاص القلق العام" و"تأجيل حالة الغضب"، لا حل المشاكل الحقيقية. يخرج بتصريحات مطمئنة كلما تصاعدت الأزمة، ليس لأنه يملك حلولاً، بل ليكسب الوقت ويمنع الانفجار الشعبي. هذه ليست حكومة، بل آلة دعاية تبيع الأوهام بينما تنهار البلاد.

 

مدبولي في العاصمة الإدارية يعيش في عالم موازٍ لا علاقة له بمصر الحقيقية. يتحدث عن تقدم وتنمية بينما الدين 15 تريليون والفوائد تلتهم 96% من الإيرادات. يبشر بمستقبل مشرق بينما الشعب يغرق في الفقر. خطابه لم يعد يخدع أحداً، والفجوة بين الوعود والواقع أصبحت فضيحة لا يمكن إخفاؤها. مدبولي ليس رئيس وزراء يقود تنمية، بل محلل فشل يبيع الأوهام لشعب فقد الثقة في حكومته.