تأتي الاشتباكات المتقطعة في محيط قرية المنصورة غرب السويداء وحملة الاعتقالات التي نفذها الحرس الوطني في لحظة شديدة الحساسية من عمر الدولة السورية الجديدة التي يقودها الرئيس الشرعي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، بوصفها اختبارًا لقدرة السلطة الانتقالية على حماية ظهر الثورة من اختراقات بقايا النظام وأجهزته الأمنية. تعكس الأسماء المستهدَفة في الحملة – من رائد المتني وعاصم أبو فخر، وصولًا إلى ماهر فلحوط – صراعًا واضحًا بين مسار بناء مؤسسات شرعية تستند إلى تفويض شعبي وفصائلي، وبين محاولات قوى مرتبطة بدمشق لإعادة إنتاج نفوذها عبر واجهات محلية.

 

وفي الوقت ذاته، يتكامل هذا الضغط الداخلي مع تصعيد عسكري إسرائيلي على جبهة بيت جن، بما يجعل الجنوب السوري ساحة يتقاطع فيها الصراع على شرعية الداخل مع تدخلات الخارج، ويضاعف الأعباء الواقعة على رئاسة الجولاني في إدارة المرحلة الانتقالية ومنع انزلاق البلاد إلى فوضى دائمة.

 

الحرس الوطني كذراع للدولة في مواجهة الاختراق

 

الاشتباكات التي وقعت في محيط المنصورة لم تكن مجرد نزاع مسلح عابر بين مجموعات متناحرة، بل جاءت تتويجًا لمعلومات أمنية عن نشاط خلايا يُشتبه في ارتباطها بأجهزة النظام السابق ومحاولتها بناء قنوات خلفية مع دمشق.

 

البيان الحاد الصادر عن الحرس الوطني، الذي تحدث عن "مؤامرة دنيئة" و"خيانة عظمى"، يُقرأ في هذا السياق بوصفه إعلانًا صريحًا بأن أي محاولة لفتح ثغرة أمنية في خاصرة الجنوب ستُواجَه بقبضة حازمة، ما دام القرار العسكري يتحرك تحت سقف الشرعية الجديدة في دمشق. فاعتقال شخصيات لعبت أدوارًا بارزة في فصيل المجلس العسكري بعد سقوط النظام، ثم تحوّل بعضها إلى قنوات محتملة لـ"التطبيع الأمني" مع السلطة القديمة، يظهر كجزء من معركة أوسع لتوحيد البندقية تحت راية الدولة، وليس مجرد تصفية ثأرية بين مجموعات مسلحة.

 

ومن منظور أنصار الرئيس الشرعي، فإن تسليم المعتقلين إلى القضاء بدل تصفيتهم ميدانيًا يوجّه رسالة بأن حكومة الجولاني تريد بناء نموذج مختلف عن سلوك أجهزة الأسد، قائم على المحاسبة القانونية لا الانتقام الأعمى، مع الإبقاء على الحزم في مواجهة من يفتح الأبواب أمام عودة المنظومة الأمنية السابقة.

 

الشرعية ومعركة تثبيت مركز الدولة

 

منذ توليه رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية بتفويض من الفصائل المنتصرة على نظام الأسد، دخل أحمد الشرع في سباق مع الزمن لتثبيت مركز دولة موحدة في دمشق وضبط خطوط التماس مع القوى المحلية في الأطراف، وعلى رأسها السويداء ذات التركيبة الحساسة. هذا التفويض لم يكن مجرد "لقب سياسي"، بل حمل معه مسؤولية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية ودمج الفصائل ضمن إطار وطني واحد، مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية المحلية يمنع عودة الاستبداد المركزي بشكل جديد. في هذا الإطار، تبدو عملية المنصورة وحملة الاعتقالات جزءًا من جهد أوسع لإعادة تعريف من يملك حق حمل السلاح ومن يحق له التفاوض والتواصل مع القوى الخارجية، بحيث تُحصر هذه الصلاحيات بمؤسسات الدولة المعترف بها لا بأمراء مناطق أو وسطاء ظل.

 

كما أن تأكيد الحرس الوطني على تسليم "الخونة والمتآمرين" إلى القضاء المختص ينسجم مع خطاب الرئاسة حول بناء دولة قانون، حتى لو اتُّهمت هذه الدولة – من خصومها – بأنها تمنح الرئيس الانتقالي صلاحيات واسعة في هذه المرحلة، بحكم طبيعة الانتقال من الفوضى إلى بنية مؤسساتية مستقرة.

 

الاحتلال الإسرائيلي واستثمار الهشاشة السورية

 

الهجوم العنيف الذي شنه جيش الاحتلال على قرية بيت جن في جنوب سوريا في التوقيت نفسه تقريبًا مع اشتباكات السويداء، لا يمكن فصله عن محاولة تل أبيب اختبار حدود الاتفاقات الأمنية غير المعلنة مع دمشق الجديدة، وقياس قدرة إدارة الجولاني على فرض سقف واضح لسلوك الاحتلال.

 

فالقصف الذي استهدف منازل مدنيين وأدى إلى نزوح واسع يبعث برسالة مزدوجة: من جهة، يذكّر بأن إسرائيل لا تزال ترى لنفسها حقًا في التدخل العسكري المباشر داخل سوريا بذريعة "منع تهديدات مستقبلية"، ومن جهة أخرى يضع الرئاسة الانتقالية أمام معضلة صعبة بين التزاماتها أمام الحليف الأمريكي في ملف خفض التصعيد، وبين حساسيات الشارع السوري الذي يرى في هذه الهجمات استمرارًا لنهج "العقاب الجماعي".

 

ورغم أن الجولاني اختار منذ وصوله إلى السلطة خطابًا عقلانيًا في التعامل مع ملف الحدود والاحتلال، مؤكدًا أن سوريا لن تكون منصة لتهديد إسرائيل، فإن استمرار الغارات يضغط على هذا النهج ويفتح الباب أمام خصومه لاتهامه بالعجز أو التهاون، ما يستدعي منه ومن حكومته الانتقالية بناء استراتيجية أكثر توازنًا تجمع بين تثبيت التفاهمات الأمنية وحماية المدنيين وكرامة البلاد.

 

اختبار مبكر لمشروع الدولة في عهد الجولاني

 

ما يجري اليوم في السويداء والجبهة الجنوبية عمومًا هو اختبار مبكر لمشروع الدولة الذي يرفعه أحمد الشرع بوصفه "الرئيس الشرعي" لسوريا ما بعد الأسد، بين خطاب الوعود بدولة قانون وحقوق وتوازنات داخلية، وواقع ساحة معقدة يتداخل فيها السلاح المحلي مع أجندات إقليمية ودولية متضاربة.

 

فإذا نجحت الرئاسة الانتقالية في تحويل عمليات الحرس الوطني من مجرد "حملات اعتقال" إلى مسار قانوني شفاف ينتهي بمحاكمات علنية وضمانات للحقوق، مع ضبط سلوك القوات على الأرض ومنع الانتهاكات، فإن ذلك سيمنح مشروع الجولاني زخمًا جديدًا ويقطع الطريق على بقايا النظام ومن يستثمر في الفوضى.

 

أما إذا تحولت هذه العمليات إلى مسار مفتوح من التصفيات والاتهامات الفضفاضة بالخيانة، مترافقة مع عجز عن كبح العدوان الإسرائيلي، فسيجد خصوم الرئيس الانتقالي مادة جاهزة لتشويه شرعيته واتهامه بإعادة إنتاج منطق "الدولة الأمنية" بثوب جديد. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا سيتحدد مصير الجنوب السوري، بل وجزء كبير من مصير الثورة التي حملت الجولاني من قيادة فصيل مسلح إلى رأس هرم الدولة، بين أن ينجح في بناء مركز وطني مرجعي جامع، أو ينزلق إلى إدارة توازنات ميدانية هشة لا تنتج إلا مزيدًا من النزيف والتفتت.