في واحدة من أعنف الضربات القضائية التي توجه لـ"هندسة المشهد السياسي" في مصر منذ سنوات، أسدلت المحكمة الإدارية العليا، أمس السبت، الستار على المرحلة الأولى من "انتخابات مجلس النواب"، بأحكام بطلان غير مسبوقة طالت 48 دائرة انتخابية من أصل 70. القرار الذي جاء بمثابة "زلزال سياسي"، لم يكن مجرد حكم بإعادة الاقتراع، بل شهادة قضائية دامغة على انهيار منظومة النزاهة الانتخابية، وتأكيد لما ردده مراقبون عن "فجاجة" المخالفات التي شابت العملية برمتها، بدءاً من الدعاية المحرمة وصولاً إلى التلاعب في محاضر الفرز.

 

الإدارية العليا: حكم البطلان "يعري" الهيئة الوطنية

 

لم تكتفِ المحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج 29 دائرة انتخابية جديدة، بل وسعت دائرة البطلان لتشمل 14 محافظة، في حكم يُقرأ سياسياً كإدانة ضمنية لأداء الهيئة الوطنية للانتخابات. ورغم أن الهيئة كانت قد استبقت الأحكام بإلغاء نتائج 19 دائرة، إلا أن أحكام "الإدارية العليا" جاءت لتؤكد أن "العوار" كان أعمق وأشمل مما اعترفت به الهيئة.

 

الحكم يكشف عن وقائع كارثية: محاضر حصر عددي لم يتسلمها المرشحون، فوارق صارخة بين أرقام اللجان الفرعية والعامة، ودعاية انتخابية "فجة" أمام اللجان تحت سمع وبصر الأمن. هذه الحيثيات تضرب في مقتل مصداقية "الاستحقاق الدستوري" الذي سوقت له حكومة الانقلاب كإنجاز ديمقراطي، ليتحول إلى "مهزلة إدارية" تستوجب الإعادة.

 

الصعيد: "تسونامي" البطلان يضرب معاقل النظام

 

كان وقع الأحكام أشد قسوة في محافظات الصعيد، التي طالما اعتُبرت "خزاناً انتخابياً" مغلقاً لمرشحي السلطة. الأحكام قضت بـ"تصفير" الانتخابات بالكامل في 4 محافظات (سوهاج، أسيوط، قنا، الوادي الجديد)، في سابقة تاريخية تعكس حجم الفوضى التي ضربت العملية الانتخابية هناك.

 

في أسيوط وسوهاج: لم تنجُ أي دائرة. البطلان طال الجميع، من "أبو تيج" إلى "البلينا"، كاشفاً أن ما جرى لم يكن انتخابات، بل عمليات "تسويد" منظمة لم تصمد أمام الفحص القضائي.

 

الأقصر وقنا: سيناريو "الإلغاء الشامل" تكرر، ليعيد المرشحين إلى نقطة الصفر، ويفضح فشل الرهانات الأمنية على حسم المقاعد مبكراً لصالح مرشحي "مستقبل وطن".

 

الجيزة والمنيا: سقوط "القلاع الحصينة"

 

لم تكن محافظات الوسط بأفضل حالاً. في الجيزة، معقل النفوذ السياسي القريب من العاصمة، أبطلت المحكمة 8 دوائر من أصل 12، شملت مناطق ذات ثقل سكاني ضخم مثل "الهرم"، "العمرانية"، "بولاق الدكرور"، و"البدرشين". هذا السقوط المدوي في الجيزة تحديداً يمثل ضربة موجعة لـ"مهندسي الانتخابات"، حيث فشلت كل ترتيبات "الغرف المغلقة" في تمرير النتائج المشوهة.

 

وفي المنيا، "عروس الصعيد"، تحولت الانتخابات إلى ركام، بعد إلغاء 5 دوائر من أصل 6. دوائر بحجم "ملوي" و"مغاغة" و"بني مزار" ستعود للاقتراع، ولم تنجُ سوى "سمالوط" التي حسمها مرشحو حزب السلطة من الجولة الأولى، في استثناء يثير تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات.

 

رسائل الحكم: القضاء يحرج "السيسي" والنظام

 

تأتي هذه الأحكام بعد أيام من مطالبة السيسي للهيئة الوطنية بـ"التدقيق"، وهي مطالبة يراها مراقبون محاولة لـ"غسل اليدين" من مشهد عبثي بات عصياً على التجميل. إلا أن حكم الإدارية العليا جاء ليقول بوضوح إن الأمر يتجاوز مجرد "أخطاء فردية"، بل هو "خلل هيكلي" في إدارة العملية الانتخابية.

 

إن إعادة الانتخابات في 48 دائرة تعني استنزافاً جديداً لموارد الدولة، وإقراراً رسمياً بأن "المرحلة الأولى" كانت والعدم سواء. كما أن إلغاء جولات الإعادة التي كان مقرراً انطلاقها في الخارج غداً، يضع النظام في حرج دبلوماسي وإجرائي بالغ.

 

الخلاصة: انتخابات "بلا شرعية"

 

ما حدث في أروقة المحكمة الإدارية العليا ليس مجرد نزاع قانوني، بل هو "نعي" لمصداقية الانتخابات البرلمانية الحالية. فالنظام الذي فشل في إدارة انتخابات نزيهة في مرحلتها الأولى، وخرجت مرحلته الثانية "مستنسخة" بنفس المخالفات والفجاجة، يثبت مجدداً أنه غير قادر -أو غير راغب- في إجراء استحقاق ديمقراطي حقيقي.

 

ومع استمرار "الكتالوج" ذاته في المرحلة الثانية، يبقى السؤال: هل نحن بصدد برلمان "شرعي"، أم أمام "مجلس معين" بقرارات إدارية باطلة تنتظر فقط من يطعن عليها؟ الإجابة باتت في "حيثيات" الأحكام التي عرت الجميع.