" تبلغ السعة القصوى لسيارة الترحيلات 25 سجينًا "
منذ عام حُشر فيها ما يقرب من ضعف هذا الرقم: 45 سجينا!
وشمس أغسطس الحارقة بلغت ذروة حماسها ظهرًا.. تصب حرارتها على الجدران الحديدية للسيارة.. فتتسرب الحرارة إلى الداخل حيث التكدس وانعدام الهواء تقريبًا ! 

و45 سجينًا مكبلًا بالداخل، قُبض عليهم بشكل عشوائي في محيط رابعة بعد فض الاعتصام.. جميعهم أبرياء لم تثبت إدانتهم بشيٍء بعد، وفقًا للقانون.. 
ينتظرون دورهم ليتم تسليمهم إلى سجن أبي زعبل لقضاء فترة الحبس الاحتياطي..

سيارة الترحيلات تلك واحدة ضمن طابور طويل من سيارات الترحيلات، يبلغ طوله خمس عشرة سيارة.. 
عملية تسليم السجناء لا تتم بسهولة! 
فلا بد من حفلة ترحيب من إدارة السجن بسجناء كل سيارة.. 
حفلة الترحيب تقوم على الصفعات والركلات لكل سجين تطأ قدمه أرض السجن حتى يعلم ما هو مقبل عليه!

ضحايا سيارة الترحيلات يتمنون تلك اللحظة التي سيتلقون فيها الركلات والصفعات! فقط حتى يتخلصوا من هذا الجحيم الذي هم فيه: تكدس وحرارة خانقة وانعدام هواء!
تمر الساعة تلو الساعة فتزداد معاناتهم بشعورهم بالعطش الشديد! 
يطلبون الماء، ويتعاطف معهم بعض العساكر.. يتوجه أحدهم لأحد الضباط ويسأله أن يسمح له أن يعطي السجناء بعضًا من الماء.. فيرفض الضابط!

يجلس ضابط الشرطة هذا مع زملاء له في مكان ظليل على مقاعد بلاستيكية أُحضرت لهم، يدخنون ويشربون الشاي انتظارًا لتسليم سجنائهم.. 
تطول ساعات الانتظار فيشعرون بالملل.. يسمعون صوت طرقات على جدران سيارة الترحيلات فيتوجه بعضهم إليها.. 
يطلب السجناء من الضباط أن يُسرعوا بإخراجهم من السيارة.. 
يوافق أحد الضباط ولكن بشرط: أن يسبوا (مرسي)! 
يفعل البعض هذا، فيضحك كل أفراد الشرطة ويضيفون شرطًا إضافيًا: فليُطلق كل سجين على نفسه اسم امرأة! 

ذل الانتظار تحت هذه الظروف يسحق كرامة الإنسان سحقًا..
لذا وبدون تردد يبدأ بعض السجناء في إطلاق أسماء نساء على أنفسهم.. 
فيضحك أفراد الشرطة ويجيبون بسماجتهم المعهودة: "ولكننا لا نكلم النساء!" ..

وتمر ساعات إضافية، تزداد معها المعاناة.. 
العرق يبلل ملابس السجناء بالكامل، والحرارة داخل السيارة تزداد قسوة.. 
والحلوق تزداد جفافًا، ما يدفع البعض لخلع قمصانهم ليعصروها ويرطبوا حلوقهم بشرب قطرات العرق المستخرجة! 
تزيغ الأبصار ويبدأ البعض في السقوط على الأرض مغشيًا عليهم.. 
ست ساعات من الانتظار داخل هذا المكان الضيق شديد الحرارة ليس أبدًا بالأمر الهين.. 
يبدأ بعض السجناء بالطرق على جدران سيارة الترحيلات طلبًا لإسعاف هؤلاء المغشي عليهم ولا مجيب! 
يزداد الطرق أكثر فأكثر.. فينزعج ضباط الشرطة ويفكرون في أنه يجب إسكات هذا الضجيج.. 
يفكر أحدهم في أن قنبلتي غاز ستفيان بالغرض! 
فيُلقي بهما داخل السيارة.. ينتظر دقيقة أو اثنتين حتى يتأكد من انعدام صوت الطرقات تمامًا، فيعود إلى مقعده في الظل مكملًا سيجارته التي كان يدخنها، متلقيًا التهنئة من زملائه لنجاحه في إنهاء الضجيج في أقل من دقيقة!

أخيرًا يحين دور سيارة الترحيلات هذه في الدخول إلى سجن أبي زعبل.. 
جنود سجن أبي زعبل يستعدون لبدء حفلتهم.. 
ويُفتح باب سيارة الترحيلات لإخراج السجناء.. 
فلا يجدون إلا جثثًا بالداخل.. 37 جثة بعضها فوق بعض!

ينظر قضاؤنا الشامخ لهذه المذبحة باعتبارها قتلًا خطأً.. 
فيحكم على ضابط بالسجن عشر سنوات، وثلاثة ضباط آخرين بالسجن لعام واحد مع إيقاف التنفيذ! 
تمر أشهر فيشعر قاضي آخر بتأنيب الضمير لقسوة هذا الحكم.. 
فيقضي بإيقاف هذا الحكم وإعادة القضية إلى النيابة! 
يهتف المتهمون داخل قاعة المحكمة: "يحيا العدل..".. 
فلا يحيا إلا الظلم والطغيان على أرض مصر .. !