فن صناعة البعبع لم يبدأ بعد الثورة، ولكنه حرفة لها أصولها التي ابتدعت أكثر من بعبع عشش في عقول الناس، وكان بعضها بعبع لفئات معينة، تخاف منها، لتبرر السكوت على القمع والاستبداد والفساد.

فعلى سبيل المثال، لا الحصر:

بعبع الجماعات الإسلامية:

كتبت مقالا بعد الثورة مباشرة أوضح فيه الفروق السطحية البسيطة بين الجماعات الإسلامية في مصر لما هالني مدى الخلط والهلع عند الناس في هذا الموضوع، والناس معذورة، فكيف لمن تربى على "طيور الظلام" و "الإرهابي" وغيرهما من منتجات إعلام أمن الدولة، كيف له أن يعرف الفرق بين الإخوان والجهاد والسلفيين والصوفيين، الخ؟ كيف له أن يعرف أن من هؤلاء أنفسهم فدائيو القنال ضد الانجليز، ومتطوعو الجهاد في 48؟ صار من المقبول والطبيعي أن يتم اضطهاد الجماعات الإسلامية، وأن تنتهك حرماتهم، لأنهم "قتلوا" السادات، ولأنهم "قتلوا" السياح، والآن يعيّرهم بعض الجهال بالمعتقلات، ويريدون عودتهم إليها لأنهم "رد سجون ويستاهلوا"!

بعبع حماس:
حماس والجهاد منظمات إرهابية، إسرائيل تدافع عن مواطنيها المدنيين، الفلسطينيون باعوا أراضيهم، مصر وإسرائيل شركاء السلام، مصر ضحت كثيرا من أجل فلسطين، كم مرة تلقيت هذه المعاني؟ وكم منها مازلت تعتقد في صحته؟ كان هذا المستوى الأول، ثم تطور البعبع في المستوى الثاني إلى أن حماس خطر على مصر وليس فقط إسرائيل، فمصر وإسرائيل بينهما سلام، وحماس تحارب من يسالم إسرائيل، إذن مصر في خطر، وحماس إرهابية، ويجب على مصر أن تتحالف مع إسرائيل في مواجهة الإرهاب! هكذا ينقلب من يقوم بالدفاع عن مقدساتك نيابة عنك إلى عدو لك، ويتحول عدوك المعروف الواضح إلى حليف استراتيجي، تحاصران غزة سويا لإنقاذها من الإرهابيين!

بعبع إيران:
إيران هي الخطر الأكبر على الدين، إذا تعاملنا مع إيران فسيتشيع أهل السنة، وكأن إيران قد فرغت من تشييع سنة إيران فجاءت لتشييع سنة مصر! ويتحول الحديث عن إيران إلى الحديث عن الشيعة تلقائيا: الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود لأن خطرهم مستتر، بينما نحن على علم بفساد الديانات الأخرى، ونواجهها، وترى الكتب والمحاضرات والمقالات تسطر لمواجهة غلاة الشيعة، بينما يتم التنصير بنجاح في الحي المجاور على قدم وساق، وما جنوب السودان عن ببعيد! ويقال أن دخول شيعة إيران خطر، رغم أن مصر بها مئات الآلاف من شيعة العراق منذ سنين! وهم عرب مثلنا، وأقدر على التأثير في المصريين. وينسى من يقول هذا أن مصر حكمها الشيعة منذ ألف سنة، ولم يتشيع أهلها، بل حولوا الأزهر من أكبر مركز للتشيع إلى منارة الإسلام السني في العالم كله، وينسى أيضا أن بعض أبناء مصر من دعاة العلمانية أخطر على الدين من الشيعة بتفريغ الدين من معناه. ولم يكن بعبع إيران إلا جزء من الاستراتيجية الاستعمارية التي جعلت علاقات مصر بكل الدول تمر عبر واشنطن، بالضبط كما تمر طائرات مصر إلى أفريقيا عبر باريس!

بعبع الخلافة:
يدرس المصريون الخلافة العثمانية باعتبارها "الاستعمار التركي"، ويدرسون الحملة الصليبية الفرنسية باعتبارها حملة العلم والتنوير والتعرف على الحضارة! ولا يدرسون أن مصر كانت درة الخلافة، صاحبة أقوى الجيوش، منارة العلم، والمحور التجاري الأهم بين قارات العالم القديم، ولا يدرسون تعامل الفرنسيين مع أجدادنا بالسحل والاغتصاب والتعليق على الخوازيق! ولسبب ما يتعلم المصريون أنهم "فراعنة" قبل أي شيء، وأن الفتح العربي لم يغيّر في مصر إلا لغتها، ولا يعني مصطلح الخلافة بالنسبة للكثيرين إلا التبعية والذل والتخلف، بينما يحترم نفس الناس القيم الإمبريالية الأمريكية والتبعية لها تحت مسمى "العولمة"، ويحترمون التكتلات العالمية مثل الاتحاد الأوروبي، بينما أصبح مصطلح "الوحدة العربية" نكتة، والخلافة الإسلامية بعبع.

بعبع الكنيسة:
يصر الكثيرون على أن الكنيسة مسلحة من أجل حرب ضد المسلمين، فيتصايحون ويتعاملون بعداء مع الأقباط، فتلجأ الكنيسة لمزيد من التسليح والاستقواء لمواجهة هذا الخطر، وتنقلب المزايدات إلى خطر حقيقي، ويزكي الفتنة الطائفية النظام البوليسي المستبد فيدبر الحوادث ليبقى الجميع أعداء الجميع، ويبقى سيفه مسلطا على رقابهم جميعا. ليس هناك شك أو مغالاة في تزايد التطرف والعداء بين الطرفين في مصر خلال عهد مبارك الأسود، ومازال الاحتقان موجودا، وإن كانت أسبابه الحقيقية غائبة، لأنها كانت نتيجة فن صناعة البعبع.

أشك أن هناك من يقرأ هذا الكلام وليس لديه قلق من بعبع أو أكثر من هؤلاء، وله أقول: تخلص من البعبع بداخلك، تخلص من ميراث مبارك، اعرف حجمك الحقيقي، واعرف أعداءك الحقيقيين.