تعد منظومة الأخلاق والقيم والمثل العليا التي جاءت بها جميع الرسالات السماوية هي المرتكزات والدعائم الأساسية لأي مشروع نهضة، فلا نهضة حقيقية بلا أساس أخلاقي تقوم عليه، لذا نجد أن الوصايا العشر في التوراة والإنجيل هي ذاتها المذكورة في سورة الإسراء في القرآن الكريم.
فمكارم الأخلاق ضرورة لا غنى عنها لأي مجتمع يصبو إلى الرقي ويرنو إلى المعالي، ومتى فقدت الأخلاق التي تمثل البيئة الصحية الصالحة لتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان، تفككت أواصره، وانهار بناؤه.
ولهذا فقد اهتم الإسلام بمكارم الأخلاق، وجعلها مناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، كما أن الإنسان دائمًا بحاجة ماسة إلى نظام خلقي يحقق حاجته الاجتماعية، ويحول دون ميوله الضارة، ويوجهه إلى استخدام قواه في مجالات تنفعه ومجتمعه، فماذا يمكن أن يحدث لمجتمع أهمل المبادئ الأخلاقية، وسادت فيه الخيانة والغش، والكذب والسرقة، وسفك الدماء، والتعدي على الحرمات والحقوق بكل استحقاقاتها، وجفت المشاعر الإنسانية في علاقات أفراده- فلا محبة ولا مودة ولا تعاون ولا تراحم- سيكون بلا شك جحيمًا لا يطاق، يستحيل أن تدوم الحياة فيه؛ لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، وينزع إلى التسلط والتجبر والأنانية،)إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(يوسف: 53).
ولقد اهتم القرآن الكريم بالأخلاق؛ باعتبارها قاعدة أساسية تنشأ منها وتُبنى عليها جميع الأحكام والقوانين، فهي قواعد البناء الراسخة التي تقوم عليها مبادئ الشريعة الإسلامية.
فقد عني بالأخلاق الحسنة بدءًا من مبعث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، )هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ((الجمعة: 2)، في إشارة إلى أن هدف بعثته صلى الله عليه وسلم الأول إتمام مكارم الأخلاق، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، كما نجد أن الله امتن على المؤمنين بأنه أرسل إليهم رسولاً يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)(آل عمران: 164)، ونجد أن القرآن الكريم وبعد أحد عشر قسمًا يولي أهمية بالغة للأخلاق، ويؤكد أن التزكية هي الهدف الأهم للإنسان، وتكمن فيها كل القيم الإنسانية، بحيث تكون نجاة الإنسان بها (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا 10)(الشمس).
فالأخلاق.. درع واقية من العواصف التي تستهدف انهيار المجتمع وشيوع المادة وطغيانها في العلاقات الإنسانية بين أفراده؛ فيحولها إلى مسخ، ويحول المجتمع إلى مجموعة آلات تتحرك بلا روح أو مجتمع تحكمه الغرائز والشهوات وتسود فيه قوانين الغابة، بينما الأخلاق قوام كل الرسالات السماوية، وأساس صلاح المجتمع، ووسيلة رادعة لمحاربة أنواع الفساد والانحراف كافة.
والأخلاق.. دليل كمال الدين، ومناط بلوغ العبد درجات الصائمين القائمين، بل مكانة القرب من سيد المرسلين.. "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا" وهي عنوان رقي الأمم، وضمان بقائها، وأمارة نهضتها.. تعالج ما انتابها من انحراف وهبوط وأصاب أخلاقها من عقد وعلل.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
والأخلاق.. ميزان العبادة، وشرط الريادة، وضابط التمكين والسيادة.. فلم تكن الصوامة القوامة التي تؤذي جيرانها بلسانها إلا في النار، وكانت الأخرى التي تحسن إلى جيرانها ويسلم من الآفة لسانها في الجنة وإن قلت عبادتها، ومن يكون الأجدر باصطفاء الله لرسالته إلا الصديق وصادق الوعد.
فلا بد إذن من إعلاء منظومة القيم في مجتمعنا وواقعنا وتعاملاتنا السياسية والاقتصادية والإنسانية؛ إذ كيف ستكون هناك نهضة واعدة بلا رحمة وصدق وعدل وأمانة وحياء وعفة وتعاون وتكافل وإخلاص وتواضع، أو احترام للوقت وللغير وللعمل، وحب الأوطان والتضحية في سبيلها، والإيثار والمساواة، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة.. وغيرها من قيم حثتنا عليها جميع الرسالات السماوية.. إذ لولا الأخلاق ما فهم الناس الدين وما استقامت دنياهم.
فعندما يتحلى الفرد بهذه الأخلاق الحميدة والشمائل الفاضلة سيكسب خيري الدنيا والآخرة، فسيكون عابدًا لله وفي ذات الوقت نافعًا لوطنه وأهله، لذا يجب علينا حين نتعامل بهذه الأخلاق الكريمة أن نخلص وجهتنا لله ليمدنا بمدده ويعننا ويثبنا على ذلك.
ولا يظن أحد أن هذه دعوة للتحلي بالأخلاق وحسب وترك العمل الجاد والحثيث لتقدم بلادنا وأوطاننا، ولكنها دعوة للعمل الراشد المؤسس على قيم ومبادئ لا خلاف عليها بين جميع البشر، فنحن نريد توازنًا بين العلاقات المادية والروحية؛ لأن العمل والإتقان وكسب الرزق الحلال ونفع الغير في جميع المجالات هو من صميم مكارم الأخلاق والفضائل، وبغير هذا تتحول المجتمعات لتروس أو آلات جامدة أو متواكلين كسالي.
فما نريده هو أن نسعد جميعًا بالعيش تحت ما يمكن تسميته بالضغط الأخلاقي الذي يشبه الضغط الجوي؛ لأن حياتنا تحت الضغط الأخلاقي يجعلنا ملزمين بهذه القيم والمبادئ لنهضة بلادنا وتقدمها، ومن يخرج عنها ويَفْجُر تمامًا كمن يخرج عن الضغط الجوي وينفجر.
إن التقدم العلمي لا بد له من تقدم أخلاقي حتى لا تحدث هزات ارتدادية في المجتمع تؤثر على جميع مكوناته، وما شيوع الظلم واستبداد الحكام ورفض تبادل السلطة واستغلال النفوذ واحتلال الدول وقتل الأبرياء وسلب الحقوق والحريات والتحايل على القوانين وتعطيلها ومحاربة قيم الأديان ومبادئها بل والمنتمين لها بتطبيق ما سموه تجفيف المنابع والفساد والإفساد، إلا نتيجة تنكب المثل العليا وتقديم المصالح المادية المجردة والمنافع الشخصية الزائلة على مصالح الوطن.
إن ثورات الربيع العربي في المقام الأول هي ثورات أخلاقية، قدمت أخلاق التعاون والتكافل والصدع بكلمة الحق، وإعلاء شأن التضحية في مواجهة سلوكيات خاطئة وقعت فيها النظم البائدة من ظلم وطغيان وتزوير إرادة الأمة وغيرها من خطايا لم تقبلها الشعوب، كما أن ما يحدث في مجتمعنا الآن من انفلات أمني وبلطجة والتواطؤ مع الطغمة الفاسدة؛ هو نتيجة انحدار في السلوك الإنساني وتجافيه عن القيم الأخلاقية الفطرية، كما أن ما يحدث في سوريا هو جرم أخلاقي بالدرجة الأولى يتنافى مع القيم الدينية والأخلاقية التي تأبى أن تمس الأبرياء في أعراضهم وحرياتهم وكرامتهم، فتعداها الظالمون ليقتلوا شعبهم بدم بارد.
ونحن في بداية عهد جديد لبناء أوطاننا عقب ثوراتنا المباركة لأحوج ما نكون لاقتران الأخلاق والقيم والمثل بالعمل الجاد؛ لتحقيق نهضة متوازنة وحقيقية ومعبرة عن إرادة الشعوب، ومرضية لله سبحانه وتعالى في ذات الوقت، فلنتعاون جميعًا مسلمين ومسيحيين على تحويل هذه القيم الجميلة لواقع ملموس يشعر به الجميع، لتصبح كالمادة الملطفة التي تدخل بين تروس الآلة فتمنع احتكاكها وسخونتها وتطاير الشرر منها وضجيجها العالي وقلة إنتاجها.
ولنتسابق جميعًا في تقديم النافع لأوطاننا متحلين بأخلاقنا السامية عبادة لربنا وخدمة لأوطاننا، فالعلم الذي تزدهر به الأمم هو العلم المؤسس على الأخلاق: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة: 109).
فالتقدم الأخلاقي هو أول خطوات النهضة، فلنغرس هذه الأخلاق وتلك القيم في نفوسنا، ولنربِّ عليها أبناؤنا، ولننشئ عليها مؤسساتنا، ولنقيم عليها تعاملاتنا، تنهض أوطاننا ويرضى ربنا، يقول الإمام الشهيد حسن البنا عن دعامة الخلق في نهضة الأمة: الأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى الخلق.. الخلق الفاضل القوي المتين والنفس الكبيرة العالية الطموحة، إذ إنها ستواجه من مطالب العصر الجديد ما لا تستطيع الوصول إليه إلا بالأخلاق القوية الصادقة النابعة من الإيمان العميق، والثبات الراسخ، والتضحية الكثيرة، والاحتمال البالغ، والحرية العامة ولحرية العقل؛ لنقله إلى الإبداع والابتكار، ليغير الله ما بنا كما قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: 11).
إن الواجب علينا جميعًا أفرادًا وهيئات أن نقدم القدوة العملية والنموذج القويم لهذه النهضة الأخلاقية، ونضع لذلك البرامج العملية والخطوات التنفيذية التي تعيننا على أداء هذا الواجب.
فعلى الأزهر الشريف بكل مؤسساته وهيئاته وكذا الكنيسة المصرية بكل طوائفها، العمل الجاد والحثيث لوضع آليات واضحة وبرامج محددة؛ لترسيخ القيم والمثل العليا التي تنادي بها جميع الأديان السماوية في المجتمع، وتحويلها من مجرد نظريات لواقع ملموس ومعاش.
كما على وزارة التعليم تغيير المناهج بما يعلي هذه القيم في النفوس؛ ليتربى عليها النشء الجديد، فينشأ على تلك القيم علمًا وعملاً، وهذا أيضًا ينسحب على وزارة الإعلام، وكل وسائل الإعلام، وكل المنظمات والهيئات والجماعات والأحزاب والنقابات والأندية الرياضية والهيئات الثقافية والفنية، كل في مجاله ونطاق أعماله، ينشر تلك القيم السامية والمفاهيم الراقية؛ لينهض الوطن على أسس قويمة ودعائم ثابتة تقوم عليها نهضة شاملة تعيد لنا مكانتنا المستحقة بين الأمم.

