بعد مرور خمس سنوات ونصف السنة على الانقلاب الذي هز أركان مصر، جلست السفيرة الأمريكية السابقة لدى القاهرة آن باترسون في جلسة نقاشية هادئة بأحد مراكز الأبحاث في واشنطن لتتحدث بأريحية عن بعض الدروس المستفادة من تلك التجربة.
حرصت باترسون أولا على توضيح القاعدة الذهبية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة تجاه مصر، وهي العلاقة مع الكيان الصهيوني، أي أن واشنطن تسعى في المقام الأول إلى أن تضمن وضعا مصريا لا يهدد كيان الاحتلال.
وقالت السفيرة إن سياستنا في مصر كانت واضحة جدا، لم يكن فيها أي لبس، موضحة أن الاعتبار الإستراتيجي الأهم هو علاقة مصر مع الكيان، وأن له الأولوية إذا تعارض مع أهداف أخرى معلنة للسياسة الأمريكية مثل دعم التحول الديمقراطي.
هذه الإستراتيجية الأمريكية الواضحة هي واحدة من ثلاث نقاط مفتاحية لفهم الحالة المصرية تحدثت باترسون عنها في تلك الجلسة النقاشية التي نظمها مركز التقدم الأمريكي لمناقشة "الانتفاضات العربية بعد مرور ثماني سنوات" يوم الخميس الماضي.
وكانت النقطة الثانية في حديث السفيرة الأمريكية تتعلق بدور الجيش المصري، إذ قالت إنه هو من أزاح حسني مبارك وهو من أزاح محمد مرسي، وأردفت "وإذا كان أحد سيزيح السيسي فسيكون الجيش المصري"، ثم أضافت "هذه لم تكن عملية ديمقراطية".
باترسون التقت السيسي مرات عدة ومنها هذه المرة في فبراير 2012 قبل شهور من تعيينه وزيرا للدفاع .
أما النقطة الثالثة فتخص الغرب، إذ قالت السفيرة الأمريكية إن بعض القوى في "المجتمع الدولي" لم تهتم بما يمكن أن يحدث إذا أدى النهج الديمقراطي إلى نتائج "غير محمودة"، في إشارة إلى تصدر جماعة الإخوان المسلمين المشهد السياسي في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011.
وأضافت باترسون "كان واضحا من البداية أن الإخوان المسلمين سيبلون بلاء حسنا في الانتخابات"، مشيرة إلى أن المفاجأة كانت فقط في صعود التيار السلفي.
ومضت السفيرة لتتحدث بشيء من التفصيل عن "الأدوات" الأمريكية في مصر وكيف أخفقت في حماية التحول الديمقراطي ومنع الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، والذي لم تتردد السفيرة في تسميته بالانقلاب على امتداد حديثها.
الحلقة الخليجية المفقودة
قالت الدبلوماسية الأمريكية إنه على الرغم من وضوح الرؤية الأمريكية للانقلاب بنسبة 100%، فقد كانت هناك فجوة معلوماتية "خطيرة" لدى الأمريكيين تتعلق بدور الدول الخليجية في عملية الانقلاب على مرسي. وفضلا عن ذلك، أشارت باترسون إلى أن دور السلفيين في الانقلاب لم يكن واضحا للأمريكيين لانعدام الاتصالات معهم.
ويثير حديث باترسون عن الحلقة الخليجية المفقودة في الانقلاب، وتصويرها لواشنطن كمن يقف موقف المتفرج، طائفة من الأسئلة عما جرى في تلك الأيام العصيبة، ربما تكون بعض إجاباتها قد تكشفت في شهادات وحوارات أوردتها مصادر أمريكية أخرى.
وربما تكون أبرز الشهادات الأمريكية في هذا الخصوص هي ما سجله الصحفي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في كتابه "إلى أيدي العسكر.. الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط"، الذي نشرت خلاصته في صحيفة نيويورك تايمز يوم 27 يوليو 2018.
وإذا قرئت تجربة باترسون في ضوء الشهادات والمعلومات التي جمعها كيركباتريك في كتابه، فيمكن الوصول إلى استنتاجات عدة، من بينها أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي كان يؤكد إيمانه بالتحول الديمقراطي في العالم العربي كانت تجمع فرقا ومسئولين لهم مشارب مختلفة، ولم يعملوا وفق رؤية موحدة في مصر 2013.
ينقل كيركباتريك شهادة وزير الدفاع الأمريكي آنذاك تشاك هيجل، ذلك المسئول القادم من الحزب الجمهوري والذي استعان به أوباما المنتمي للحزب الديمقراطي، لكنه لم يعمل بانسجام مع رؤية الرئيس وفقا لمصادر عديدة.
أخبر هيجل الصحفي الأمريكي في حوار أجراه معه عام 2016 أن الشكاوى بحق الرئيس مرسي انهالت عليه من الكيان الصهيوني والسعودية والإمارات. وأضاف الوزير أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد "الحاكم الفعلي للإمارات" وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها "أعظم خطر يتربص بالشرق الأوسط في يومنا هذا".
من الغريب إذن ألا ترصد المراصد الأمريكية دور الإمارات والسعودية في انقلاب مصر، وفقا لما قالته باترسون في تصريحاتها الأخيرة، خاصة إذا عُرف أن هناك رؤية مشتركة بين بعض المسئولين الأمريكيين في ذلك الوقت وبين شخصيات مثل محمد بن زايد وجهات مثل الكيان الصهيوني.
ومن هؤلاء المسئولين الأمريكيين الجنرال مايكل فلين الذي كان في ذلك الوقت رئيس وكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية، وصار فيما بعد متهما رئيسيا في قضية التواطؤ المفترض بين حملة دونالد ترامب الانتخابية وروسيا.
زار الجنرال فلين العاصمة المصرية القاهرة خلال الأشهر القليلة التي سبقت الانقلاب للتحدث مع جنرالات مصر بشأن مرسي.
وقال كيركباتريك إن فلين أخبره في العام 2016 أن للإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة "أيديولوجيا واحدة".
وحتى في أوساط المسئولين الأمريكيين المدنيين، كانت هناك مواقف وإيماءات تفسح المجال للانقلاب، ومنها موقف وزير الخارجية جون كيري المسئول عن السفيرة باترسون.
وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري في زيارة للقاهرة في مارس 2013 قبل أشهر من الانقلاب زار كيري القاهرة في مارس 2013، والتقى بكل من مرسي والسيسي على حدة.
ووفقا للمعلومات التي جمعها كيركباتريك، كان اللقاءان مختلفين، فقد أساء كيري فهم الرئيس المصري ورآه غير جدير بالدعم الأمريكي.
لكنه خرج مرتاحا من لقائه بالسيسي، وحكى لاحقا للصحفي كيركباتريك أن السيسي قال له "لن أدع بلدي تنزلق إلى المجهول"، وحينئذ علم الوزير الأمريكي أن أمر مرسي قد انتهى، كما يقول الصحفي.
وبينما كانت آن باترسون -مرؤوسة كيري- توجه في القاهرة دعوات للمصريين لاحترام الممارسة الانتخابية ونتائجها، وألا ينجروا إلى حراك مجهول العواقب، كان وزير الدفاع تشاك هيجل يجري اتصالات هاتفية شبه يومية بالسيسي.
يقول كيركباتريك إن البيت الأبيض أرسل إلى هيجل نقاطا لاستخدامها في حديثه مع السيسي لتحذيره من أن واشنطن ستعاقب أي انقلاب على السلطة في مصر. لكن الرسالة التي نقلها هيجل للسيسي كانت "مختلفة كليا".
الخط الساخن
قال هيجل للسيسي "أنا لا أعيش في القاهرة، بل أنت تعيش فيها، عليك أن تحمي أمنك، عليك أن تحمي بلدك".
وقال مسئول رفيع في مجلس الأمن القومي الأمريكي اطلع على نصوص المحادثات الهاتفية بين الوزيرين، إن البيت الأبيض أراد من هيجل نقل رسالة تقول "الديمقراطية مهمة"، لكن هيجل أراد نقل رسالة تقول "نريد علاقة طيبة".
ربما لم تكن باترسون مطلعة على أسرار الخط الساخن بين هيجل والسيسي، لكنها في كل الأحوال كانت تعرف السيسي حق المعرفة، كما صرحت بذلك في الجلسة النقاشية التي عقدت في واشنطن يوم الخميس حيث أشارت إلى أنها التقته - أي السيسي - عدة مرات.
وبصرف النظر عما أفصحت عنه باترسون وعما كتمته، فإن هذه السفيرة التي شهدت عواصف التغيير العاتية خلال مدة خدمتها في مصر بين عامي 2011 و2013، خرجت من هذه التجربة بخلاصة قد تتفق فيها مع كثير من الجماهير العربية التي نزلت إلى الشوارع مطالبة بالحرية والكرامة.
قالت باترسون "قد يبدو في الوقت الراهن أن الربيع العربي قد أخفق، لكنه غيّر إدراك العرب"، مشيرة إلى عنصرين في مصر قد ينفجران في وقت واحد ليأذنا بمرحلة جديدة.
أولهما المشكلة الديموجرافية، إذ ترى السفيرة أن في مصر كتلة شبابية متضخمة لا تجد فرص عمل وقد لا تصبر إلى الأبد، أما العنصر الثاني فهو موقف الجيش "الذي ربما يدعم بقاء السيسي في السلطة، لكن حتى متى؟".

