قالت مجلة «وورلد برنش» الفرنسية في نسختها الإنجليزية إنّ طلاب جامعة الأزهر وأساتذة بها يُعتبران حصن المقاومة ضد قائد الانقلاب السيسي؛ بالرغم من محاولات أمن الانقلاب المتكررة للسيطرة عليهم، لكنها تفشل في النهاية، مؤكدة أنّ هناك انقسامًا داخل الجامعة بين مؤيدي الانقلاب، وهم أقلية، وبين معارضيه، الذين يشكّلون معظم الطلاب والأساتذة.
وأضافت المجلة: أنّ هؤلاء ساهموا في تعطيل قرارات لحكومة الانقلاب للسيطرة على جامعة الأزهر ، وبعد فشلها وضعتها تحت المراقبة الدقيقة؛ وتتمركز سيارات للأمن المركزي أمام مدخل الجامعة ويُفتّش الداخلون أمنيًا.
وفي المدة السابقة لمسرحية الانتخابات وأثنائها، خضعت جامعة الأزهر إلى مراقبة أدّق من الأجهزة الأمنية، وقال «أحمد»، طالب الآداب بجامعة الأزهر ومتعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين التي يقاتلها قائد الانقلاب: «لا يوجد حرية هنا؛ لكني أريد أن أوجه رسالة للجميع: الحمض النووي للأزهر إسلامي الطابع».
ويُنظر إلى «الأزهر» منذ عقود باعتباره منبر الإسلام السني في العالم الإسلامي، وخلف جدرانه يقبع 300 ألف طالب أجنبي تستقبلهم الجامعة كل عام، وبداخله أيضًا يوجد صراع أبدي: السلطة بين الدين والسياسية.
وقال «خيري شعرواي»، رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، إنّ الجامعة تستقبل سنويًا نحو مليون طالب من مصر وخارجها، ويوجد 85 عالمًا إسلاميًا يحيطون بمكتب الدكتور أحمد الطيب، بجانب 75 كلية ودار إفتاء، تُصدر الفتاوى بشكل رسمي، ولها تأثير على نحو 1.5 مليار نسمة في جميع أنحاء العالم؛ فلا عجب أن قائد الانقلاب يريد السيطرة «على هذا اللاعب الرئيس في الحياة السياسية المصرية».
دعم أيديولوجي
وكان للأزهر دور محوري في تعبئة المصريين إبّان «حرب 73» وعهد السادات بمزيد من الإصلاحات للقادة الدينيين ضد أعدائه الشيوعيين. وواجه المخلوع مبارك التأثير الوهابي المتنامي للسعودية في المنطقة ومنع من تسلله إلى مصر عبر مؤسسة الأزهر.
وبعد ثورة يناير 2011، حاول رئيس الجامعة «الدكتور أحمد الطيب» تهدئة الطلاب؛ لكنّ غالبيتهم أصروا على مطالبهم بضرورة الإطاحة بمبارك. وبعد فوز الدكتور محمد مرسي في 2012، وفقًا لخيري شعرواي، فقلة من الأزهريين فقط كانوا معه، وعندما انقلب الجيش على السلطة في 2013 ظهر أحمد الطيب جنبًا إلى جنب مع قائد الانقلاب ؛ لكنّ الإخوان أقسموا على أن الأزهر سيتحوّل حصنًا للمقاومة ضد السيسي، خاصة وأنّ أغلب الأساتذة هناك «إخوان»، أو على الأقل متعاطفون مع أفكارهم.
وقال «أحمد»، طالب الآداب، إنّ الجامعة بها عدد كبير من الطلاب المؤيدين للإخوان؛ لكن وفقًا لتعبيره: «نمنع أن يكون بيننا مشاغبون».
التردد في التغيير
في نهاية 2014، وفي خطاب لم يسبق له مثيل، دعى قائد الانقلاب أئمة الأزهر إلى إجراء ثورة تصحيح للمفاهيم الدينية، وتنقيح النصوص التي مضى عليها أكثر من عشرة قرون، وأمر رئيس الجامعة بقيادة هذه المعركة، ووجّه حديثه إلى الطيب: «أنت تتحمل المسؤولية أمام الله، والعالم بأجمع ينتظر كلمتك؛ لأن الأمة الإسلامية تمزق نفسها وتتفكك وتتسارع نحو الهاوية».
ومنذ ذلك الحين، فشلت جهود قائد الانقلاب ، الذي واجه الإسلام السياسي في تحويل الأزهر لما يريده؛ خاصة وأنّ أغلب الدارسين والمدرسين فيه -مثل شعرواي- يقاومون خططه.
وقال دبلوماسي إنّ شيخ الأزهر مطالبٌ بأن يُحدث توازنًا بين المحافظين والإصلاحيين داخل الأزهر، ويبدو أنه يسير على حبل مشدود.
وقائد الانقلاب أراد أيضًا السيطرة على خطب الجمعة التي تلقى كل أسبوع من داخل آلاف المساجد المصرية؛ لكنّ الأزهر عارض خطته. وقال باحث (رفض ذكر اسمه) إنّ «حكومة الانقلاب أرادت بعد ذلك توحيد خطبة الجمعة في جميع المساجد، ونشرها على موقع الأزهر على الإنترنت، ووافق الأزهر على ذلك».
وحتى لو سجن المنقلب الآلاف من زعماء الإسلاميين والمتعاطفين معهم فلن يستطيع في النهاية السيطرة على انتشار أيديولوجيتهم؛ خاصة داخل المساجد الخاصة بهم، التي يبلغ عددها وفقًا لبعض التقديرات 20% من المساجد في مصر.
من أبرز الأمثلة على مقاومة مرتادي الأزهر لمطالب قائد الانقلاب مسألة الطلاق اللفظي، أرادت حكومة الانقلاب إلغاءها؛ لكنّ علماء الأزهر المحافظين رفضوا ذلك، بالرغم من موافقة آخرين والمقربين من سلطة الانقلاب.
ويصرّ الباحث على أنّ الأزهر بتشكيله الحالي يؤيد الإصلاح، لكنّ أدواته العملية تختلف عن تلك التي تستخدمها حكومة الانقلاب، مضيفًا: «نحن نبدو كبش فداء لحكومة الانقلاب»؛ لافتًا إلى الاتهامات الموجهة إلى الأزهريين بأنهم وراء السبب في التفجيرات الإرهابية التي طالت مصر طوال المدد الماضية.
وتنفي الجامعة باستمرار تخريجها كوادر إرهابية من بين صفوفها، موضحة أنها تقف دائمًا ضد ختان الإناث وإجبار السيدات على ارتداء النقاب. لكن، من ناحية أخرى، وبالرغم من إدانة الأزهر لأفعال «تنظيم الدولة»، لم يكفّره حتى الآن؛ فوفقا لشعرواي، هؤلاء مسلمون يجب أن نشجب وندين أفعالهم ولا نكفرهم حتى لا ندخل في ساحة الجهاديين.

