08/07/2010
* أحمد داوود أوغلو :
أسس السياسة الخارجية التركية الجديدة
شرعت تركيا مع بداية العقد الحالي في تطوير رؤيتها وسياستها على نحو يتواكب مع المستجدات في القرن الحادي والعشرين، وبذلت جهودها لارساء رؤيتها على ارضية صلبة توظف فيها موروثاتها التاريخية والجغرافية التوظيف الامثل. ومن ثم تعين على تركيا الالتزام بستة مبادىء حتى يتسنى لها تطبيق سياسة خارجية ايجابية فعالة. المبدأ الاول هو التوازن السليم بين الحرية والامن. والحقيقة انه ما لم تحرص دولة من الدول على اقامة ذلك التوازن بين الحرية والامن بداخلها، فانها ستكون عاجزة عن التأثير في محيطها. كما ان مشروعية النظم السياسية يمكنها ان تتحقق عندما توفر هذه النظم الأمن لشعوبها، مع عدم تقليص حرياتها في مقابل ذلك. وما نعنيه هو ان الانظمة التي توفر الأمن لشعوبها وتحرمها في مقابل ذلك من الحرية، تتحول مع الوقت انظمة سلطوية، وكذلك الانظمة التي تضحي بالامن بدعوى انها ستمنح الكثير من الحريات، ستصاب بحالة من الاضطراب المخيف.
واذ اتجه العالم من بعد احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 الى تقليص الحريات بدعوى تحقيق الامن ازاء التهديدات الارهابية، فان نجاح تركيا في تحقيق هذه المعادلة الصعبة بتوسيعها مساحة الحرية دون ان تغامر بأمنها لهي نقطة جديرة بالملاحظة والانتباه. تعرضت ارادة تركيا وجهودها من اجل الحفاظ على الحريات لاختبار صعب عام 2007، حيث كانت من ناحية تواجه مخاطر الارهاب وتهديداته، ومن ناحية اخرى كانت تحرص على صون ساحة الحريات دون تقليص لها. ويمكن القول ان تركيا قد اجتازت هذا الاختبار بنجاح، فلم تشهد اي مدينة من مدن تركيا مثل اسطنبول او انقرة، او ديار بكر، او فان اي تقليص للحريات خلال قيام الدولة التركية بمكافحتها للارهاب. وهو ما يبرز ويؤكد على ان الديموقراطية هي افضل قوى ناعمة تمتلكها تركيا.
تمثل المبدأ الثاني في تصفير المشكلات مع دول الجوار، وهو مبدأ تبدو نتائجه الايجابية واضحة بجلاء لكل متابع، فعند مقارنة وضع تركيا الآن، بما كانت عليه قبل اربعة او خمسة اعوام، سنجد ان علاقات تركيا مع كل دولها المجاورة باتت وطيدة الى اكبر درجة. وابرز الامثلة على ذلك علاقاتها مع سوريا التي توّجت بابرام عدد من اتفاقات التجارة الحرة بين البلدين، وفتحت الطريق امام علاقات اقتصادية ضخمة. ارتقى مستوى علاقات تركيا بسوريا الآن الى حد يمكن ان يوصف بالانقلاب في المسار الديبلوماسي مقارنة بما كانت عليه قبل عشرة او خمسة عشر عاما. وعلى النحو ذاته طورت تركيا علاقاتها مع جورجيا، فأصبح من الممكن لتركيا استخدام مطار باتوم كما لو كانت تستخدم احد مطاراتها الداخلية، وهو ما يعد نجاحا ديبلوماسيا مهما.
وبالاضافة الى ذلك عززت تركيا من علاقاتها مع بلغاريا بعد انضمامها الى الاتحاد الاوروبي، وهو ما يبرز ايضا بشكل واضح مدى النجاح الذي تحققه تركيا في تطبيقها لمبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار. وحافظت تركيا، في ظل حالة التوتر الدولي تجاه طهران بسبب الملف النووي، على علاقاتها معها دون ان يعتريها اي اهتزاز، ولا شك في ان مثل هذه المبادرات التركية تشعر دول المنطقة والمجتمع الدولي بالارتياح والطمأنينة.
وتطورت علاقات تركيا مع العراق الى حد كبير وملموس، اذ تم تشكيل مجلس استراتيجي رفيع المستوى من كلتا الدولتين، يستهدف عقد اجتماعات مشتركة يشارك فيها الوزراء المختصون برئاسة رئيسي الوزراء في الدولتين. وعلى النحو ذاته تشكلت آلية حوار استراتيجي مع سوريا، وتتشكل الآن آلية اخرى مع روسيا. وفي هذا الاطار، يمكن القول ايضا ان مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار قد تجاوز ذاته الى مرحلة ارحب تشهد تعاونا شاملا مع دول الجوار.
يقوم المبدأ الثالث على التأثير في الاقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار، ويمكننا هنا التحدث عن تأثير تركيا في البلقان والشرق الاوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. اهتمت الخارجية التركية في عقد التسعينات من القرن المنصرم اهتماماً جادا ومؤثرا بالبلقان، ولاسيما في ازمتي البوسنة والهرسك وكوسوفو، وهو اهتمام يرتكز على اسس راسخة. وظلت قدرة تركيا على النفاذ الى الشرق الاوسط محدودة، مقارنة بما تتمتع به تركيا من تأثير داخل البلقان والقوقاز.
ولئن لعبت مشكلة حزب العمال الكردستاني والازمة السورية – التركية خلال عقد التسعينات دورا كبيرا في عجز تركيا عن النفاذ الى الشرق الاوسط، الا ان مشكلة الصورة السلبية والادراك الخاطىء لدى كلا الطرفين: تركيا والدول العربية كانت العامل الاساس وراء عدم انفتاح الطرفين على الآخر.
وتأطرت هذه الصورة السلبية في زعم الاتراك ان العرب قد خانوا الدولة العثمانية وطعنوها في ظهرها، وزعم العرب ان الاتراك قد احتلوا العرب لأربعة قرون. ومن ثم كان ذلك الحاجز النفسي هو العقبة الكؤود امام انفتاح كلا الطرفين على الآخر. بيد ان الضرورات البراغماتية التي تولدت عن الحاجة الى الدعم الديبلوماسي المتبادل قد فتحت الطريق امام هذه العلاقات، وحطمت تلك الحواجز التاريخية/ النفسية، وهو ما جعل تركيا اكثر ارتباطا بسياساتها الشرق اوسطية الفعالة التي انتهجتها منذ عام 2002. وليس من المبالغة القول بأن تركيا قد اضحت اليوم تمتلك قدرات وقنوات اتصال تجعلها قادرة على متابعة كل التطورات التي يموج بها الشرق الاوسط ساعة بساعة.
ولا تنحصر القدرة التأثيرية التي حازتها تركيا في بعض الدول فقط، بل تشمل ايضاً كل اللاعبين الآخرين داخل الشرق الاوسط. فعلى سبيل المثال تعد تركيا الآن احد ابرز اللاعبين الفاعلين في لبنان. وكانت الزيارة التي قام بها عبدالله غول عام 2004 الى لبنان عندما كان وزيرا للخارجية الزيارة الاولى التي يقوم بها وزير خارجية تركي في تاريخ لبنان. ومثل هذه المبادرات هو ما جعل لتركيا كيانها المؤثر في الساحة الديبلوماسية في الشرق الاوسط.
يرتكز المبدأ الرابع "السياسة الخارجية المتعددة البعد"، على ان العلاقات مع اللاعبين الدوليين ليست بديلة من بعضها البعض، وانما متممة لها. وهو مبدأ يسعى لابراز علاقات تركيا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الاميركية في اطار ارتباطها بالحلف الاطلسي ( الناتو) وتحت مفهوم العلاقات الثنائية، وكذلك لطرح جهود تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وكذلك سياستها مع روسيا واوراسيا على الوتيرة ذاتها من التزامن باعتبارها علاقات تجري كلها في اطار التكامل، وليست علاقات متضادة او بديلة من بعضها البعض. وان ما نقصده هنا ونود التأكيد عليه هو ان السياسة المتعددة البعد التي تنتهجها تركيا منذ سبع سنوات لم تتضارب او تتناقض مع بعضها البعض، ولذلك اضحت سياسات مؤسسية راسخة.
أما المبدأ الخامس فهو الديبلوماسية المتناغمة، اذ عند النظر الى اداء تركيا الديبلوماسي من زاوية عضويتها في المنظمات الدولية، واستضافتها للمؤتمرات والقمم الدولية نجد تطورات مهمة وجادة، في حال ما قورنت بأدائها الديبلوماسي قبل عام 2003، استضافت تركيا قمة الناتو، وقمة منظمة المؤتمر الاسلامي فضلا عن استضافتها معظم المنتديات الدولية. واصبحت عضوا مراقبا في منظمة الاتحاد الافريقي عام 2007، وهو ما يمكن ان يفسر باعتباره نتيجة طبيعية لسياسة تركيا في الانفتاح على افريقيا منذ عام 2005، فضلا عن مشاركة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان في قمة الاتحاد الافريقي – الاوروبي التي انعقدت في مدريد، وهي المشاركة التي هيأت لتركيا ان تصبح لاعباً مؤثرا في العلاقات بين الاتحاد الافريقي واوروبا. وبدعوة من جامعة الدول العربية شاركت تركيا على مستوى وزراء الخارجية وعلى مستوى رؤساء الوزراء على حد سواء. كما وقعت مع جامعة الدول العربية على اتفاقية خاصة على خلفية اجتماع دول جوار العراق، وذلك خلال الفترة التي تصاعدت فيها الازمة بين العراق وحزب العمال الكردستاني، حيث قضت الاتفاقية بتأسيس علاقات مؤسسية وتشكيل المنتدى التركي – العربي.
سيكون من السهل علينا، عند تقويم تركيا وصورتها الجديدة من حيث انفتاحها على ساحات واقاليم جديدة، ان نلحظ ذلك التغيير الايجابي الذي جرى على صورة تركيا الدولة في ما بين عامي 2002 – 2010. خرجت تركيا في صورتها الجديدة لدى الرأي العام العالمي: دولة ذات دور في تأسيس النظام ليس فقط من اجلها، بل من اجل الدول المحيطة بها ايضا، وهو ما يجعلنا نقوّم صورة تركيا الجديدة باعتبارها ملمحا على انتقال تركيا من دولة مركزية الى قوة عالمية. وثمة نقطة ينبغي التأكيد عليها هنا، وهي تبلور حالة من التوافق والانسجام بين الاستراتيجية الكبرى للدولة والاستراتيجيات الصغيرة للشركات والافراد والمؤسسات ومؤسسات المجتمع المدني.
اي ان الدولة عندما خططت وقامت بسياسات انفتاحية على افريقيا قام اتحاد رجال الاعمال Tuskon في تركيا بعقد قمة لرجال الاعمال في افريقيا، جمعت المئات من رجال الاعمال والعشرات من الوزراء. وقامت مؤسسة اخرى لرجال الاعمال هي موصياد Musiad بتنظيم اجتماع ضخم لرجال الاعمال في الخليج، وكذلك تقوم منظمة توسياد Tusiad بأدوار نشطة في الاتحاد الاوروبي. وكل هذه الجهود مجتمعة تشارك في رسم صورة تركيا الجديدة وتمثل عناصر اساسية بداخلها.
اما المبدأ السادس والاخير فهو اسلوب ديبلوماسي جديد. فلفترة طويلة من التاريخ كانت تركيا في نظر العالم دولة جسرية، ليس لها رسالة سوى ان تكون معبراً بين الاطراف الكبرى. والمقصود من ذلك الدور هو ان تركيا دولة تنقل طرفا الى طرف آخر دون ان تكون فاعلا بين الطرفين. ولذا بدت تركيا لدى الشرقي دولة غربية، ولدى الغربي دولة شرقية، ومن ثم كان من الضروري رسم خريطة جديدة لتركيا تجعلها مرشحة لأداء دور مركزي: وأن تكون دولة قادرة على انتاج الافكار والحلول في محافل الشرق ومنتدياته، رافعة هويتها الشرقية دون امتعاض، ودولة قادرة على مناقشة مستقبل اوروبا داخل محافل اوروبا ومنتدياتها من خلال نظرتها الاوروبية. وهذه الرؤية ليست موجهة للديبلوماسيين والسياسيين وحدهم بل للمثقفين ايضا، اذ ان الوصول الى نتائج ايجابية في هذه الرؤية يعد امرا مستحيلا دون اعادة تهيئة المثقف وتطويره في نموذج جديد.
يمكن – من هذه الزاوية – التذكير بالكلمة التي القاها عبدالله غول في طهران عندما كان وزيرا للخارجية، حيث انتقد الانظمة اللاديموقراطية، وكان في دولة تشهد ازمات في حالتها الديموقراطية، ورغم ذلك لم يواجه بأي انتقاد. اضف الى ذلك ان الرئيس السوري بشار الاسد قد اكد خلال كلمة له على ان رئيس الوزراء التركي يمثل نموذج زعامة جديدا في الشرق الاوسط. ولذا كان تلقّي كلمة وزير الخارجية التركي في طهران بالتصفيق، وتصريحات الرئيس السوري التي يشير فيها الى ان تركيا بات ينظر اليها في الشرق الاوسط كما لو كانت شرقية. اما الادراك الغربي لتركيا فيراها مختلفة عن اوروبا لكونها تمثل بوتقة ضخمة انصهرت فيها مختلف الحضارات.
هنا يمكن القول ايضا ان تركيا، اذا ما قامت بنقل موروثاتها التاريخية والحضارية الى اوروبا، ستكون قد اضافت اليها وحققت لها العالمية في المدى الطويل. كما انها إن استطاعت ان تتحدث الى اوروبا من داخلها سيتضح لنا مقتضيات واستحقاقات الانضمام التركي الى اوروبا، وانها لن تكون عبئا على اوروبا بل ستكون مكسبا لها، وعندئذ ستدرك اوروبا حقائق غائبة عنها. بيد انه حتى يتسنى لتركيا تحقيق ذلك، فانها مطالبة اولا، وبطبيعة الحال، ان تؤمن بهذه الحقائق وتعيشها، اي ان تجعل من الاسلوب الديبلوماسي الجديد اسلوبا للمجتمع التركي اجمع، وان تحدث تحولا في نمط ونموذج المثقف التركي.
سياسة تركيا في الشرق الاوسط
ثمة ثلاث سياسات متباينة يمكن تركيا انتهاجها تجاه الشرق الاوسط، الاولى هي الابتعاد التام عن الشرق الاوسط ومشكلاته، والثانية هي تطوير سياسات متناغمة مع سياسات معسكر دولي ما، كسياستها خلال الحرب الباردة، انطلاقا من تجنب تحمل مخاطر المبادرة منفردة في المنطقة. اما السياسة الثالثة فتقوم على النظر الى الشرق الاوسط من خلال مقاربة تركية خالصة مركزها انقره. وإن بدت السياستان الاولى والثانية مقاربتين مقبولتين من الناحية النظرية الا انهما تفتقران الى فرص التطبيق على ارض الواقع حاليا. فتركيا قد اضحت دولة وطنية قوية، ومرت بخبرات في الادارة الديموقراطية، وتمتلك الآن جيشا قويا لا يستهان به.
اضف الى ذلك أن تركيا بما تمتلكه من تجربة تاريخية ونسيج اجتماعي ثري وامتدادات جغرافية طبيعية تعتبر نموذجا مصغراً للبلقان ونموذجا مصغرا للقوقاز، ونموذجا مصغرا للشرق الاوسط كله في آن واحد. وهو ما يدعونا للتساؤل عن السبب وراء لجوء الفارين من حروب البوسنة وكوسوفو نحو ادرنه في تركيا التي لا تربطها اي حدود معهم، وعدم توجههم الى برلين؟ ولماذا تهتم تركيا بكل مشكلة تقع في القوقاز؟ ولماذا يمثل انقسام العراق مشكلة خطيرة بالنسبة لتركيا؟ ذلك كله لأن ارتباط تركيا بهذه المناطق الثلاث يشبه ارتباط الظفر باللحم، وهو ما يعد دليلا على عمق وتداخل الروابط التاريخية والجغرافية بين تركيا وهذه المناطق الثلاث. والحقيقة انه ان لم توجه تركيا الاحداث في هذه المناطق الثلاث فان اطرافا اخرى ستوجهها لمصلحتها، وستكون الاناضول هي المتضررة في النهاية. حتى وإن لم يلحق الضرر بالاناضول بشكل مباشر اليوم. فسيلحق بها غدا. فقد حان أوان اقرار السلام في هذه المناطق، لأن بقاء تركيا كدولة ووطن وامة مرتهن بالاوضاع السياسية والاجتماعية في هذه المناطق.
يمثل الشرق الاوسط الذي تتصوره تركيا، منطقة تتمتع بالمزيد من الامن والسلام من خلال توفير حوار سياسي مكثف لأعلى درجة لا يترك مجالا لتصادم الخلافات والنزاعات، وتوطيد الروابط الدينية والثقافية والعرقية بين المجتمعات على نحو يحقق الاستمرارية لحياة حرة لكل البشر، وتفعيل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دوله. وفي ظل هذا التصور، تقسم تركيا علاقاتها مع الشرق الاوسط في اربعة نطاقات جغرافية هي: دول الجوار مثل العراق وسوريا، وشبه الجزيرة العربية ومعها الاردن ولبنان ومصر، ودول مجلس التعاون الخليجي، ودول شمال افريقيا. وفي ضوء هذه الحقائق والمعطيات الجغرافية والتاريخية تتبنى تركيا اربعة مبادىء اساسية في سياساتها تجاه الشرق الاوسط.
المبدأ الاول هو احلال الامن وكفالته لكل شخص دون تمييز بين مجموعة واخرى، ودولة واخرى. والمبدأ الثاني هو الارتقاء بمستوى الحوار السياسي الى اعلى درجة، وهو الهدف الذي من اجله اجرى ويجري كل من رئيس الجمهورية التركي، ورئيس وزرائها ووزير خارجيتها زيارات مستمرة مكثفة داخل الشرق الاوسط. وقد جعلت هذه العلاقات الطيبة المتبادلة التي تقيمها تركيا مع دول المنطقة، من تركيا قناة الاتصال الاكثر ثقة بين الدول والشعوب والتنظيمات غير الحكومية على حد سواء.
ويمثل كذلك جوار تركيا الاستراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية انعكاسا آخر لهذه الثقة، حيث تعززت العلاقات الى درجة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات التركية – العربية، فقوبلت ديبلوماسية تركيا البناءة والصادقة في الشرق الاوسط بترحيب وتقدير من دول المنطقة وشعوبها. ويعد المبدأ الثالث المتمثل في الترابط الاقتصادي المتبادل الذي من شأنه ان يحقق التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة ركيزة وشرطا اساسيا لاحلال السلام بالمنطقة، ومن ثم فقد بادرت تركيا بسلسلة من المشروعات الاقتصادية مع دول المنطقة، فوقّعت عدداً من اتفاقيات التجارة الحرة مع العراق وسوريا ومصر والاردن. واخيرا فان المبدأ الرابع الذي يوجه سياسات تركيا في الشرق الاوسط، هو التعددية الثقافية، اذ ترى تركيا ان الحفاظ على التعددية العرقية والمذهبية شرط أوّلي لاستقرار المنطقة.
العلاقات التركية – المصرية
ترجع العلاقات التركية – المصرية الى ما قبل العهد العثماني، وهي علاقات مترابطة، متداخلة تجمعها اواصر تاريخية وثقافية مشتركة. وبعد انهيار الامبراطورية العثمانية، ورثت الجمهورية التركية علاقات مثقلة بالمشكلات والنزاعات في الشرق الاوسط تولدت عن تفكك الامبراطورية العثمانية، وهو ما جعل تركيا عاجزة عن تطوير مفهوم استراتيجي لسياستها الخارجية تجاه مصر لفترة طويلة. وخلال تلك الاعوام تشكلت العلاقات التركية – المصرية في مناخ يخيم عليه التنافس والنزاع على النفوذ السياسي والاقتصادي في الشرق الاوسط لفترة طويلة، وهو ما لم يدع فرصة لأي تعاون سياسي، وعرفت تركيا في ظل ذلك المناخ التصادمي في فترة الحرب الباردة باعتبارها دولة جناح تنفذ سياسات تستهدف تحقيق مصالح المعسكر الغربي في المنطقة ساعية الى تقليص نفوذ مصر في الشرق الاوسط.
ومن ناحية اخرى لم يكن بمقدور اتفاقات التعاون الاقتصادي الموقعة بين الدولتين في ذلك المناخ المفتقر الثقة ان تعزز من العلاقات الثنائية، وان تقيم تقارباً بين اقتصادات الدولتين. ويمكننا رصد كثير من العوامل التي دفعت العلاقات المتقدمة في ظل عدم الثقة المتبادل نحو محور التنافس طوال فترة ما قبل عشر سنوات تقريباً، ومنها الريبة وعدم الثقة في نية الطرف الآخر، وعدم التوافق الأيديولوجي، والصراع على المصالح السياسية. ومن المدهش انه في ظل ذلك المناخ الذي هيمنت عليه الريبة وعدم الثقة يندر ان نجد محاولات وتدابير قد اتخذت من اجل زيادة الثقة بين البلدين. واضافة الى ذلك فقد تعرضت للاهمال على امتداد تلك الايام الطويلة مسألة انتاج مفهوم اقليمي للقوة الكامنة التي يمكن ان تنتج من التعاون بين تركيا ومصر. بيد ان ذلك الوضع قد أخذ يتغير خلال العقد الاول من الألفية الثالثة عندما قامت تركيا باعادة بناء وصياغة سياتها الخارجية.
تركيا تجاوزت الحاجز السيكولوجي مع مصر
انعكس المفهوم التركي الجديد لسياستها الخارجية انعكاساً مباشراً على علاقاتها مع الشرق الاوسط عامة، ولا سيما مع مصر التي تمثل قلب العالم العربي، حيث ان التعاون والتحرك والعمل المشترك بين دولتين من اهم دول الشرق الاوسط سيكون له تأثيره المحدد لمستقبل المنطقة. ويمكن القول ان ثمة عاملين وراء ذلك، الاول يتمثل في كون كلتا الدولتين تمثلان مركزاً لشخصية المنطقة وهويتها، حيث تقع تركيا في قارتي آسيا واوروبا، وتعد جارة لقارة افريقيا، وعلى الشاكلة ذاتها تقع مصر في قارتي افريقيا وآسيا وتعد جارة لقارة أوروبا. ومن ثم فان الاوضاع الجغرافية لكلتا الدولتين تتمم بعضها بعضاً، وتجعل من تركيا ومصر دولتين مركزيتين في المنطقة الأفرو-أوراسية التي تحيط بالشرق الاوسط، وآسيا، وأوراسيا وأوروبا، كما تجعل منهما دولتين جارتين لبعضهما البعض من خلال شرق البحر المتوسط الذي يربط بين شاطئيها. اضافة الى ان مصالح تركيا ومصر تلتقي في محور الاستقرار والامن والسلام في هذه المناطق.
وعليه، فان التعاون التركي – المصري لا يكتسب اهميته من اجل الشرق الاوسط فقط، بل يعد ذا اهمية واضحة ايضاً من اجل المناطق المحيطة في أوراسيا، وافريقيا، وأوروبا، وآسيا، وكلها مناطق تمثل بالنسبة للقوى الجديدة ساحة سباق وتنافس. وبخلاف هذه المناطق الجغرافية المباشرة فان ثمة منطقتين مهمتين تلتقي عندهما مصالح كلتا الدولتين، ويمكن كل دولة الاستفادة من الخبرات التاريخية للدولة الاخرى فيها، وتمثل هاتان المنطقتان اهمية حياتية بالنسبة لمصر وتركيا، وهو ما يجعل الاتفاق والتعاون بينهما امراً ضرورياً. المنطقة الاولى هي منطقة البلقان التي يمكن مصر ان تستفيد فيها من خبرة تركيا، واما الاخرى فمنطقة افريقيا التي يمكن تركيا ان تستفيد فيها من خبرة مصر. وهذا الاتفاق من شأنه ان يضفي على الشرق الاوسط الاستقرار والامن، وفي الوقت ذاته سيحول دون تمدد تأثيرات صراعات القوى في المناطق المحيطة الى داخل الشرق الاوسط.
اما العامل الآخر الذي يُكسب التعاون بين الدولتين القابلية للاستمرار، فهو تواصلية التاريخ المشترك. فالحواجز النفسية التي كشفت عن نفسها في صورة سلبية قد حالت دون حدوث تقارب بين الدولتين لأعوام طويلة، غير انها قد عجزت عن قطع مسار التاريخ المشترك الذي تتقاسمه الدولتان.
فالعلاقات التركية – المصرية اتصفت بالديمومة والاستمرارية رغم عدد من المشكلات. وادت ازالة الصورة السلبية الخاطئة الى توفر مناخ ايجابي من شأنه ان يحقق تطوراً في العلاقات التركية – العربية، وليس في العلاقات التركية – المصرية وحدها. وفي ضوء هذه المعطيات المشتركة تمت اعادة تحليل وتشكيل العلاقات التركية – المصرية في اطار المشكلات المشتركة التي تواجهها الدولتان، سواء في الشرق الاوسط او في الساحة الدولية. ويعتقد المسؤولون في تركيا ومصر ان التعاون بين الدولتين سيحقق الاستقرار والامن والثراء في المنطقة، ومن ثم يبذلون جهوداً عديدة ترنو الى تكثيف العلاقات الثنائية على نحو يؤسس لشراكة استراتيجية. وآتت هذه الجهود ثمارها في فترة قصيرة، وكان لها أثرها في تطوير العلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.
اضحت العلاقات السياسية بين تركيا ومصر ترتكز على الاحترام والتفاهم المتبادل من خلال الاجتماعات والحوارات الرفيعة المستوى التي تنعقد كل شهرين او كل ثلاثة شهور. وحققت الدولتان مساهمات مهمة في توفير السلام للمنطقة نتيجة التعاون المشترك بينهما وتطويرهما لرؤى وآليات متشابهة بغية حل المشكلات المختلفة التي تعاني منها المنطقة الممتدة من الشرق الاوسط حتى قلب افريقيا. وهي جهود واضحة ولا سيما في مسألة الهدنة بين "حماس" واسرائيل، وحل مشكلة دارفور. ففور اتصال الرئيس المصري حسني مبارك برئيس الوزراء رجب طيب اردوغان، وطلبه دعم تركيا لجهود مصر من اجل انهاء المأساة الانسانية التي تشهدها غزة كنت على رأس الوفد الخاص الذي تم ارساله الى المنطقة بصفتي كبير مستشاري رئيس الوزراء للشؤون الخارجية آنذاك.
وآتت الجهود المتبادلة ثمارها، ونجحت الدولتان في استصدار قرار بالهدنة. غير ان ما أود التأكيد عليها هنا، هو تلك الجهود البناءة التي قامت بها تركيا من خلال النظر من الداخل آخذة في الاعتبار معطيات المنطقة ودينامياتها الجغرافية والتاريخية. فتركيا تؤكد على ان كل خطوة تخطوها من اجل احلال السلام في المنطقة كانت تستهدف فقط دعم التعاون بين البلدين والحرص على تقديم الدعم لاصدقائها المصريين.كما ان تركيا تتجنب وبشكل قاطع اتخاذ اي وضعية من شأنها الاضرار بمكانة مصر في الشرق الاوسط والجانب العربي.
وادى التقدير الذي قوبلت به هذه السياسات التركية البناءة المخلصة الى تمدد جهود تركيا لاحلال السلام في المنطقة نحو منطقة أفرو-أوراسيا ايضاً. وابرز التطورات التي تدلل على ذلك الوضع كانت بشأن مسألة دارفور التي شغلت جدول الاعمال الدولي لفترة طويلة، حيث تم تناول هذه المسألة في اجتماع الدول المانحة في دارفور الذي عقد بالقاهرة في الحادي والعشرين من شهر آذار الماضي بزعامة كل من مصر وتركيا. وكان ذلك الاجتماع الذي انعقد بمشاركة عدد كبير من الدول تمثل القارات الست اجتماعا مهماً للغاية، حيث انه قدم للمجتمع الدولي منظوراً وفهماً جديداً من المنطقة حول مشكلتها التي شغلت اروقة السياسة العالمية فترة طويلة.
كما ان المنتديات التي تشكلت داخل الشرق الاوسط، ولا سيما في اطار التعاون بين تركيا ومصر تتحول بدورها مبادرات تنظر الى الموضوعات الدولية من زاوية جديدة وقادرة على انتاج الحلول لها. كما ان الدور الذي تلعبه تركيا في حل مشكلات المنطقة من خلال ديبلوماسيتها الناعمة دور لم يكن من الممكن تخيّله قبل عدة اعوام، فضلاً عن انه يبرز كونها قد قطعت طريقاً طويلا في فترة قصيرة. وقد حظي المناخ الايجابي الذي سارت فيه العلاقات الديبلوماسية بدعم من اتفاقات التعاون الاقتصادي المتسارع.
تمتد، في الحقيقة، الروابط الاقتصادية بين البلدين الى عقد السبعينات من القرن الماضي. وثمة عدد من الاتفاقات الاقتصادية قد وقعت بين البلدين مثل: اتفاقية التجارة الحرة عام 1976، والغاء الضرائب بين الطرفين في 1993، واتفاقية التعاون الاقتصادي والتقني الموقعة عام 1994، واتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 1996 والتي تعد تجديداً لاتفاقية التجارة الحرة عام 1976، بيد انه، ورغم هذا الكم من الاتفاقات الاقتصادية التي تستهدف تحسين الاوضاع التجارية فان حجم التجارة بين البلدين ظل في ادنى المستويات. ففي خلال الاعوام ما بين 1985 و1997 كان حجم التجارة بين البلدين يمثل 2% من مجموع التجارة الخارجية المصرية، و1% من مجموع التجارة الخارجية التركية، ومع دخول اتفاقية التجارة الحرة التي تم التوقيع عليها عام 2001 حيز التنفيذ عام 2007 تم رفع العوائق التجارية بدرجة واضحة، واصبح الطريق مفتوحاً امام التكامل بين اقتصادات كل من مصر وتركيا.
وشهد حجم التجارة الذي أخذ يعبر عن نمو منتظم منذ العقد الاول من القرن الحالي اكبر طفرة فيه بالتوازي مع الحوار السياسي الذي اخذ يتحقق بشكل مكثف اعتباراً من عام 2005، حيث ارتفع حجم التجارة العام من 727 مليون دولار عام 2005 الى ثلاثة مليارات دولار عام 2009، وفضلاً عن ذلك فقد زادت الاستثمارات التركية في مصر زيادة واضحة حيث بلغ عدد شركات المستثمرين الاتراك العاملة في مصر 290 شركة في اواخر عام 2009، وتجاوباً من الحكومة المصرية مع هذه العلاقات الاقتصادية المتعمقة يوماً بعد يوم فقد خصصت للمستثمرين الاتراك منطقة صناعية خاصة. ويسعى حالياً صانعو السياسة الخارجية الى الغاء تأشيرات المرور بين البلدين واجراء سياسات من شأنها تطوير التعاون بين الصناعات التحويلية بين البلدين.
تركت هذه التطورات الايجابية التي شهدتها المجالات السياسية والاقتصادية ايضاً آثارها في المجالات الثقافية والاجتماعية فالمسؤولون من كلا الطرفين التركي والمصري يؤكدون على ان اي تعاون لن يكتب له البقاء والاستمرار دون وجود تأثير ثقافي متبادل، ومن ثم يسعون لانتاج مشروعات تستهدف ملء الفراغ الثقافي المتسع بين الدولتين. وكأحد المؤشرات المهمة على العلاقات الثقافية فقد قمت خلال زيارتي لمصر في شهر آذار 2010 بافتتاح مركز يونس امره للثقافة التركية. ويبرهن افتتاح هذا المركز الثقافي التركي في القاهرة، وهو الاول والوحيد في الشرق الاوسط والعالم العربي على الادراك التركي للقاهرة بصفتها مكاناً مفتاحياً ليس فقط من اجل التكامل السياسي الاقتصادي مع العالم العربي، بل من اجل التكامل الثقافي ايضاً.
وتستهدف هذه المبادرة جعل المركز ساحة تأثير ثقافي متبادل بين الشعبين التركي والمصري ومثقفيهم، وتزويد اجيال المستقبل بالقيم التاريخية والثقافية المشتركة بين كلتا الدولتين. كما ان المركز الثقافي المصري الذي تم افتتاحه في اسطنبول عام 2007 يقوم بتوسعة ساحة انشطته من خلال ما يقوم به من فاعليات جديدة متعددة. تشير هذه الجهود الى ان كلتا الدولتين تستهدفان تحويل التاريخ والثقافة المشتركة التي تجمعهما آلية حوار استراتيجي معددة المرحلة. ويمكن القول ان حالتي التوتر والشعور بالتنافس اللتين كانت تتسم بهما العلاقات العربية – التركية قبل عشر سنوات فقط قد تراجعت خلال فترة قصيرة، مع اقامة العلاقات الثنائية التي استهدفت تبديد وازالة الفهم الخاطئ والصور السلبية لدى كلا الطرفين.
هيأت حالة عدم الثقة والريبة التي تشكلت في الماضي المناخ لفهم خاطئ كبير، واصاب ذلك الوضع الحوار بين البلدين بسكتة قلبية، ونصب حاجزاً سيكولوجياً بينهما بدا وكأنه جدار لا يمكن تجاوزه. وفي الحقيقة فإن مجرد التخلص من ذلك التأثير السيكولوجي يمكن ان يعد من ابرز النجاحات التي حققتها الدولتان. ومن ناحية أخرى فإنه من عظيم الخطأ أن يتم النظر الى اسباب التقارب الواسع بين مصر وتركيا والذي لم يشهد البلدان له مثيلاً على امتداد تاريخهما الجمهوري باعتباره نتاج مصالح مشتركة فحسب، فقد ظل السلام والاستقرار الذي ترغب الدولتان في تحقيقه في المنطقة لاعوام طويلة مرتكزاً اساسياً في سياسات كل منهما تجاه الشرق الاوسط، وفضلاً عن ذلك فان الاختلاف في وجهات النظر حول كيفية الوصول الى هذا الاستقرار، والذي لا يمكن الادعاء بعدم وجوده، يعبر عن قدرة كلا الطرفين على تبادل وجهات النظر المختلفة في ظل مناخ من الثقة والحميمية المتبادلة. وهو ما يجعل من تراجع هذه العلاقات امراً مستحيلاً، فنموذج العلاقات المصرية – التركية يوضح مدى اهمية اقامة الثقة في العلاقات الدولية.
الخاتمة
اعاد حزب "العدالة والتنمية"، منذ توليه مقاليد الحكم في تركيا عام 2002، تعريف مبادئ وأسس السياسة الخارجية ورفعها الى مستوى جديد. ولم تبقَ هذه المبادئ حبيسة الاطار النظري فحسب، بل وجدت في الآن ذاته فرصتها للتطبيق، والأهم من ذلك انها حققت نجاحات مشهودة. وابرز هذه النجاحات هو ما تحقق في مسار العلاقات التركية – المصرية التي ظلت حتى قبل ثماني سنوات تتقدم بخطى بطيئة وسط اجواء من النزاعات المتبادلة. فقد تحولت العلاقات التركية – المصرية خلال فترة قصيرة الى علاقات تضامن ذات محور تعاوني. وترغب تركيا في تحويل هذا التضامن عنصراً فعالاً صحيحاً ذا مدى طويل. وتسعى كذلك الى بسط حيويتها الدائمة ومقاربتها المتعددة البعد على كل المناطق الحغرافية ذات الصلة والارتباط بتركيا، وتنظر أيضاً الى هذه الفاعلية المتعددة الطرف باعتبارها أجزاء يكمل بعضها بعضا، لتشكل لوحة فنية متناغمة.
وقوبلت هذه الحيوية والنشاط الذي تبذله تركيا في المناطق المختلفة بتقدير واهتمام وافر من قبل الاتحاد الاوروبي، فضلا عن أن تركيا تلقت طلبات عديدة من الاتحاد الاوروبي للتوسط لها في اتصالاتها بدول المنطقة. وعلى الشاكلة ذاتها تحتل تركيا أيضا موقعاً مركزياً داخل الحراك الديبلوماسي الذي يموج به الشرق الأوسط الآن. ودفعت قوة تركيا الناعمة والمشروعية التي أضفتها عليها الثقة بها، دول المنطقة لأن تتحرك تحركاً مشتركاً مع تركيا من أجل حل الأزمات والمشكلات. ووفر هذا التحرك المشترك مع تركيا ارتباطاً في السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء. كما قامت السياسة الخارجية التركية التي تتخذ من الحوار السياسي ركيزة أساسية وحتمية لها بتجميع الدول الفاعلة في الإقليم حول مائدة واحدة بعد أن كان اجتماعها عسيراً جداً وصعباً.
وبهذه الكيفية أرست السياسة الخارجية التركية ثقافة الحوار السياسي في العلاقات الدولية داخل مناطق جغرافية مختلفة مثل الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان. وتعتقد تركيا أن ثمة قدراً مشتركاً يجمع بينها وبين منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم تعالج مشكلات المنطقة مثلما تعالج مشكلاتها. وهي في كل مبادراتها ترى مصر الدولة المؤثرة في المنطقة التي يمكنها أن تقدم مساهمة جادة مهمة، والتي يتعين على تركيا التحرك معها في تنفيذ سياساتها الشرق الأوسطية. وستؤتي نتائج هذا التعاون ثمارها بشكل أوضح في المستقبل القريب.

