تتجه شخصيات داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي إلى بحث توسيع الضغوط الاقتصادية والسياسية على إسرائيل، مستلهمة الإجراءات التي أعلنتها حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام ضد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، وسط تحركات واتصالات غير رسمية مع مسؤولين وشخصيات في حزب العمال البريطاني، لبحث إمكانية تنسيق المواقف بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

 

وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه الحزب الديمقراطي نقاشاً متصاعداً بشأن طبيعة علاقته بالحكومة الإسرائيلية، وحدود الدعم الأمريكي المقدم لها، خصوصاً في ظل استمرار التوسع الاستيطاني والاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية، إلى جانب تزايد الأصوات المطالبة بربط العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل بمدى التزام حكومتها بالقانون الدولي.

 

وبحسب تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، فإن عدداً من الديمقراطيين ينظرون إلى الإجراءات البريطانية باعتبارها نموذجاً يمكن الاستفادة منه في تطوير أدوات الضغط الأمريكية، خاصة أن بعض المشرعين بدأوا بالفعل التحرك داخل الكونجرس من خلال تقديم مشروعات قوانين تستهدف الأفراد والشركات والجهات المشاركة في بناء المستوطنات أو تمويلها.

 

ولا تقتصر التحركات على المبادرات التشريعية، إذ تتحدث مصادر ديمقراطية عن اتصالات ومحادثات غير رسمية مع شخصيات في الحكومة البريطانية، في إطار محاولات لإحياء التعاون السياسي التقليدي بين الديمقراطيين وحزب العمال، وفتح المجال أمام تنسيق أوسع بشأن السياسات المتعلقة بإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

وتكتسب هذه الاتصالات أهمية إضافية في ظل المتغيرات السياسية الأمريكية، إذ يسعى أصحاب هذا التوجه إلى استثمار التحولات داخل الحزب الديمقراطي، وتوسيع دائرة التأييد لمواقف أكثر تشدداً تجاه الاستيطان، بدلاً من الاكتفاء بالانتقادات الدبلوماسية الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية.

 

بريطانيا تفرض قيوداً على المستوطنات


كانت حكومة بيرنهام قد أعلنت في سبتمبر 2026 حزمة إجراءات جديدة تستهدف النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، تضمنت التوجه إلى حظر استيراد السلع المنتجة داخل المستوطنات، وفرض قيود على الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات تسهم في توسيعها أو تمويلها أو تحقيق أرباح من أنشطتها.

 

وشملت الإجراءات توسيع صلاحيات نظام العقوبات البريطاني، بما يسمح باستهداف جهات تشارك في أعمال البناء وتطوير البنية التحتية وتوفير التمويل والخدمات العقارية للمشروعات الاستيطانية، إلى جانب اتخاذ خطوات لمنع الترويج التجاري للمستوطنات داخل بريطانيا.

 

وجاء الإعلان في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للتوسع الاستيطاني والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون، واعتبرت الحكومة البريطانية أن استمرار هذه السياسات يهدد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويقوض إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين.

 

كما أعلنت لندن تحركها بالتنسيق مع دول أخرى، من بينها فرنسا وكندا، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل عدد من الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر صرامة تجاه المستوطنات والجهات التي تدعمها.

 

وتكمن أهمية الخطوة البريطانية في انتقالها من مرحلة إصدار البيانات والانتقادات السياسية إلى طرح قيود تجارية واقتصادية تستهدف الأنشطة المرتبطة بالاستيطان بصورة مباشرة، وهو ما دفع مشرعين ديمقراطيين إلى المطالبة بدراسة تطبيق إجراءات مشابهة على المستوى الأمريكي. 

 

مشرعون ديمقراطيون يطالبون بعقوبات مماثلة


لم تبدأ الدعوات الأمريكية إلى فرض عقوبات على المستوطنات مع التحركات الأخيرة، إذ سبق أن طالب عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي باستخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية الأمريكية لمواجهة التوسع الاستيطاني، وفرض قيود على الجهات التي تشارك في مصادرة الأراضي الفلسطينية أو تمويل المشروعات الاستيطانية.

 

ومن بين أبرز الأصوات المطالبة بهذا التوجه النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، الذي وصف التحرك البريطاني بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح، ودعا الولايات المتحدة إلى الاستفادة من الأدوات التي تستخدمها لندن لمواجهة النشاط الاستيطاني.

 

كما أشاد النائب رو خانا بالإجراءات البريطانية، فيما طالب السيناتور كريس فان هولين الكونجرس بالتحرك لفرض قيود على الجهات المتورطة في التوسع الاستيطاني، ودعا النائب غريغ كاسار إلى اتخاذ إجراءات تستهدف التجارة مع المستوطنات.

 

مشروعان أمريكيان لاستهداف الاستيطان


انتقلت بعض هذه المطالب من التصريحات السياسية إلى المجال التشريعي، مع تقديم مبادرتين داخل مجلسي الشيوخ والنواب خلال سبتمبر وأكتوبر 2026، تستهدفان فرض عقوبات على الجهات المشاركة في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.

 

ففي 23 سبتمبر، قدم السيناتورات الديمقراطيون كريس كونز وإليزابيث وارن ورون وايدن وروبن غاليغو مشروع قانون يستهدف الأفراد والشركات والجهات الأجنبية التي تسهم في تنفيذ المشروع الاستيطاني بمنطقة «إي 1» شرق القدس.

 

ويستهدف المقترح الجهات المشاركة في بناء المستوطنات أو تطوير البنية التحتية المرتبطة بها، وكذلك الشركات التي تتقدم بعطاءات لتنفيذ المشروعات أو تشارك في تمويل نقل المستوطنين إلى المنطقة.

 

وأُحيل المشروع إلى لجنة البنوك والإسكان والشؤون الحضرية بمجلس الشيوخ، ولم يتحول إلى قانون نافذ، لكنه يعكس انتقال الدعوات إلى فرض عقوبات من مستوى المطالب السياسية إلى محاولة وضع آليات قانونية لتنفيذها.

 

وفي الأول من أكتوبر، قدم النائب خواكين كاسترو وعدد من زملائه مشروع «قانون وقف المستوطنات»، الذي يستهدف فرض عقوبات على الأفراد والجهات التي تشارك في إنشاء المستوطنات الإسرائيلية أو توسيعها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ويتضمن المشروع أيضاً حظر استيراد السلع المنتجة داخل المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بما يوسع نطاق الإجراءات المقترحة لتشمل النشاط التجاري، إلى جانب العقوبات المالية والقيود المفروضة على الجهات المشاركة في التوسع الاستيطاني.

 

وضمت قائمة مقدمي المشروع مادلين دين ودون باير وغريغ كاسار وسارة جاكوبس وفيرونيكا إسكوبار، قبل أن ينضم إليه عدد متزايد من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين بوصفهم رعاة مشاركين.

 

وفي 14 أكتوبر، أعلن كاسترو ارتفاع عدد الأعضاء المشاركين في رعاية المشروع إلى 53 عضواً، في مؤشر على اتساع دائرة التأييد داخل الكتلة الديمقراطية للمبادرة، رغم أنها لا تزال في مرحلة الإجراءات التشريعية ولم تحصل على صفة القانون. 

 

مشروع «إي 1» يهدد التواصل الجغرافي


يحتل مشروع «إي 1» الاستيطاني موقعاً محورياً في التحركات الأمريكية، نظراً لتداعياته المحتملة على مستقبل الأراضي الفلسطينية وإمكانية إقامة دولة مستقلة ذات تواصل جغرافي.

 

ويتضمن المشروع بناء أكثر من 3 آلاف وحدة استيطانية في منطقة تقع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم شرقي المدينة، وهي منطقة استراتيجية تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها.

 

وتحذر جهات فلسطينية ودولية من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، وتقسيم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق منفصلة، بما يضعف فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

 

ومن هنا، ركز مشروع مجلس الشيوخ الأمريكي على الجهات التي تسهم في تمويل المشروع أو تنفيذه، بينما اتجه مشروع مجلس النواب إلى نطاق أوسع، يستهدف الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وتستند هذه التحركات إلى الموقف الدولي الرافض للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبارها مخالفة للقانون الدولي، في حين ترفض الحكومة الإسرائيلية هذا التوصيف وتتمسك بمواقفها بشأن المستوطنات والأراضي المتنازع عليها.

 

لندن ترحب بالتنسيق مع الديمقراطيين


في المقابل، تبدو شخصيات داخل حزب العمال البريطاني منفتحة على توسيع التعاون مع المشرعين الديمقراطيين الأمريكيين، خصوصاً فيما يتعلق باستخدام الأدوات الاقتصادية لمواجهة الاستيطان.

 

وقالت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني، إن وجود شخصيات مثل رو خانا وغريغ كاسار وخواكين كاسترو في مواقع مؤثرة داخل الكونجرس يمكن أن يفتح المجال أمام تطوير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

وأضافت، بحسب ما نقله «ميدل إيست آي»، أن التجربة البريطانية في التعامل مع المستوطنات يمكن أن تشكل نموذجاً للتعاون المستقبلي بين الجانبين، بما يسمح بتوسيع نطاق الضغوط السياسية والاقتصادية.

 

كما اعتبر النائب العمالي جون ماكدونيل أن التحول في السياسة البريطانية تجاه فلسطين يمثل تطوراً مهماً للحملات المطالبة بتحرك دولي، مشيراً إلى أهمية التنسيق بين واشنطن ولندن ودول أخرى لتوسيع نطاق الإجراءات ضد الجهات الداعمة للاستيطان.

 

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، لم تكشف هويته، قوله إن هناك فرصة لظهور زخم داخل الكتلة الديمقراطية في الكونجرس لجعل ملف الاستيطان أولوية سياسية، لافتاً إلى أن التنسيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي يمكن أن يعزز فاعلية العقوبات مقارنة بتحرك كل دولة بصورة منفردة.

 

تحولات داخل الحزب الديمقراطي


تأتي هذه التحركات في سياق نقاش أوسع داخل الحزب الديمقراطي بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بعد الانتقادات التي تعرضت لها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بسبب استمرار دعم الحكومة الإسرائيلية خلال حرب غزة.

 

وتطالب أوساط تقدمية داخل الحزب بإعادة النظر في السياسات الأمريكية التقليدية تجاه إسرائيل، وربط المساعدات العسكرية والتعاون الاقتصادي بمدى التزام الحكومة الإسرائيلية بحقوق الفلسطينيين ووقف التوسع الاستيطاني.

 

كما تشير التحركات الانتخابية وصعود شخصيات ديمقراطية تتبنى مواقف أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية، ومن بينها عبدالرحمن السيد في ميشيغان، إلى اتساع مساحة النقاش بشأن القضية الفلسطينية داخل الحزب.