تفاقمت أزمة مزارعي قصب السكر بصورة غير مسبوقة خلال الشهور الماضية وسط صمت حكومي مريب تجاه الارتفاع الجنوني بتكاليف الزراعة ومستلزمات الإنتاج التي تثقل كاهل الفلاح بصورة يومية.
وتضاعفت معاناة الفلاحين خلال عامين كاملين وتحديدا منذ مطلع يناير الماضي نتيجة ثبات أسعار التوريد الرسمية مقابل القفزات المستمرة بأسعار الأسمدة والعمالة والمحروقات اللازمة لتشغيل ماكينات الري.
تجاهل حكومي لمعاناة مزارعي القصب
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة أن سياسات التسعير الحالية تمثل استنزافا متواصلا لجهود الفلاحين وتدفعهم لترك هذا المحصول الاستراتيجي.
وبالإضافة إلى ذلك، تصر الجهات المعنية على فرض أسعار توريد لا تتناسب إطلاقا مع المصروفات الفعلية التي يتكبدها المزارع لضمان خروج المحصول بجودة تلبي احتياجات المصانع.
ولذلك، تتسع فجوة الدخل لدى آلاف الأسر التي تعتمد كليا على عائدات قصب السكر لتلبية احتياجاتها المعيشية اليومية ومواجهة الغلاء المتوحش الذي يضرب كافة السلع بالأسواق.
وعلى صعيد متصل، تواصل اللجان الحكومية تقديم وعود وهمية بزيادة مرتقبة في الأسعار دون اتخاذ قرارات فعلية تنقذ الفلاح وتضمن له هامش ربح يحميه من الديون.
بينما تتعمد وزارة الزراعة غض الطرف عن نداءات الفلاحين المتكررة التي تطالب بتدخل فوري لوقف نزيف الخسائر وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعمة تخفف العبء عن كاهلهم.
فضلا عن ذلك، تتجاهل مؤسسات الدولة التداعيات الكارثية المترتبة على عزوف قطاع واسع عن زراعة القصب والاتجاه نحو محاصيل أخرى توفر عائدا سريعا ومضمونا يغطي نفقاتهم.
نفقات الإنتاج الباهظة تخنق مزارعي القصب
ومن جهة أخرى، يوضح الدكتور يحيى متولي أستاذ الاقتصاد بالمركز القومي للبحوث أن تكلفة إنتاج الفدان الواحد قفزت بمعدلات قياسية لتلتهم أي أرباح كان يطمح إليها المزارع.
وعلاوة على ذلك، شهدت الشهور الأخيرة وتحديدا منذ مارس الماضي زيادات متتالية في أسعار السولار المستخدم في نقل المحصول وتشغيل الآلات مما ضاعف الأعباء المالية بشدة.
وفي ذات الوقت، ارتفعت يوميات العمالة الزراعية بشكل جنوني نتيجة موجات التضخم الطاحنة ليجد الفلاح نفسه محاصرا بين مطرقة التكاليف الباهظة وسندان الأسعار المتدنية التي تفرضها الشركات.
وما يزيد الطين بلة، تلاعب تجار السوق السوداء بأسعار الأسمدة واختفاؤها من الجمعيات الزراعية ليضطر المزارع لشرائها بأضعاف ثمنها الحقيقي لإنقاذ محصوله من الهلاك المحقق نهائيا.
ونتيجة لذلك، تحولت زراعة القصب من مصدر للرزق المستقر إلى عبء مالي خطير يهدد الفلاح بالسجن نتيجة عجزه التام عن سداد القروض البنكية التي اقترضها للزراعة.
وبطبيعة الحال، تتفاقم الأزمة عندما يطالب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الفلاحين بمزيد من الإنتاج في حين تتركه مؤسسات نظامه فريسة سهلة للاستغلال وغلاء الأسعار المتوحش.
سياسات الإفقار الممنهج تدمر الزراعة المصرية
وبناء على ما سبق، يبين المهندس الزراعي حسام رضا خبير التنمية الريفية أن المنظومة الحالية تعاني من سياسات إفقار ممنهج تستهدف تهميش دور الفلاح وتدمير القوة الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، تراجعت المساحات المزروعة بقصب السكر خلال المواسم المتتالية ليحل محلها استيراد السكر الخام بالعملة الصعبة مما يضر بالاقتصاد الوطني ويزيد من تبعية الدولة للخارج.
وعلى نحو مماثل، تخلت الجمعيات التعاونية عن دورها الأساسي في حماية المزارعين وتوفير احتياجاتهم الضرورية لتتحول إلى مجرد مبان إدارية لا تقدم أي خدمات تسهم بنهضة القطاع.
بيد أن، استمرار هذه الأوضاع المزرية سيدفع حتما لانهيار صناعة السكر المحلية وإغلاق المصانع وتشريد 5 آلاف عامل ليتحمل المجتمع بأكمله فاتورة باهظة لقرارات حكومية تفتقر للرؤية.
ومن اللافت للنظر، غياب أي استراتيجية واضحة للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية التي أثرت سلبا على إنتاجية الفدان الواحد وقلصت كميات المحصول الموردة للمصانع مقارنة بالسنوات الماضية.
وختاما، تظل معاناة مزارعي قصب السكر مستمرة دون حلول جذرية في ظل حكومة تدير ظهرها لقطاع يمثل عصب الحياة ودرع الأمن الغذائي لملايين المواطنين المطحونين بصورة يومية.

