تتصاعد أزمة سلامة الغذاء في مصر مع استمرار الاعتماد على مواقع تخزين بدائية تفتقر لأدنى المعايير الصحية، حيث يهدد إهمال الصوامع الحديثة بضياع كميات هائلة من القمح المحلي وتحويل رغيف الخبز المدعم إلى وجبة محملة بالملوثات والشوائب.
كما تتزايد التحذيرات من تدهور جودة الحبوب، حيث تواصل الجهات المسؤولة تجاهل إخراج المواقع المكشوفة من الخدمة، الأمر الذي يضع الأمن الغذائي القومي في مهب الضياع، ويعكس تخبط إدارة المنظومة التموينية في حماية قوت ملايين المواطنين بالأزمات.
مواقع مكشوفة تهدر محاصيل الغذاء
استناداً إلى الوقائع الميدانية، تواجه 63 شونة ترابية تتجاوز سعتها التخزينية 272 ألف طن مطالبات حاسمة بالاستبعاد الفوري من خطة استلام محصول عام 2027، بعدما أصبحت بؤراً لتجميع الرمال وخلط الحبوب بالأتربة ومخلفات القوارض السامة.
وفي هذا السياق، تتوزع هذه المساحات المكشوفة العاجزة عن حماية المحصول عبر 7 محافظات رئيسية تشمل المنيا وبني سويف والغربية وكفر الشيخ وأسيوط وسوهاج والفيوم، ما يحول مساحات شاسعة من رقعة الحصاد الزراعي إلى مسارات مفتوحة للهدر والتلف.
ومن الناحية الفنية، يؤكد أستاذ سلامة الغذاء والسموم الفطرية الدكتور محمود عبد ربه أن بقاء القمح تحت وطأة الرطوبة وتقلبات الطقس يهيئ بيئة مثالية لنمو الأفلاتوكسينات المسرطنة، مما يجعل استمرار التخزين المكشوف مجازفة مباشرة بصحة المستهلكين.
علاوة على ذلك، يشدد نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب عبد الغفار السلاموني على خطورة استخدام الجرافات الميكانيكية لرفع القمح من الأرضيات الترابية، حيث تتسبب تلك العمليات البدائية في تجريف التربة وخلط الحبوب بالحصى ومخلفات الطيور والزواحف.
وبناءً على إفادات الميدان، يوضح نقيب الفلاحين بالجيزة مجدي أبو العلا أن الشون التابعة لوزارة الزراعة تفتقر كلياً للمستلزمات الوقائية والمظلات الواقية، لتتحول الحبوب المخزنة في العراء إلى فريسة سهلة للأمطار والرمال والآفات الزراعية المهلكة للمحصول.
وترتيباً على تلك المخاطر، يستوجب حظر التخزين التقليدي قصر الاستلام حصرياً على الصوامع المعدنية المؤتمتة لحماية المال العام، خاصة في ظل السياسات التي يتبناها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي والتي تزعم تحديث البنية التحتية الزراعية.
أعباء الطحن وفساد رغيف المواطن
وبالانتقال إلى خطوط الإنتاج، ينعكس هذا الإهمال مباشرة على مطاحن القطاعين العام والخاص التي تستقبل أطنان القمح محملة بنسب شوائب قياسية، مما يضاعف الضغط التشغيلي على مصافي التنظيف ويؤدي إلى تلف ميكانيكي متسارع لسلندرات الطحن.
ونتيجة لهذا العبء الصناعي، ترتفع نفقات الصيانة الدورية وقطع الغيار المستوردة بالعملة الصعبة داخل المطاحن، بالتوازي مع تراجع نسب تصافي الدقيق المستخرج، ما يقلل من حجم العائد الفعلي المخصص لإنتاج الخبز البلدي المدعوم حكومياً.
ومن جهته، يوضح استشاري تكنولوجيا الحبوب والطحن المهندس عادل الشريف أن دخول الحبوب المتربة إلى المنظومة يعطل فاعلية الغرابيل الميكانيكية، مما يسمح بنفاذ ذرات الطين والحصى الدقيقة إلى الدقيق التمويني ويؤثر جوهرياً على خصائص العجين.
وفي ضوء هذه المعطيات، يدفع المواطن البسيط فاتورة هذا الإهمال بتلقي رغيف خبز غير مطابق للمواصفات الآدمية وتملؤه الرمال، وهو ما يبرهن على غياب الرقابة التموينية في مراحل التوريد والفرز والرقابة على جودة الخامات الأولية.
ومع اقتراب موسم التوريد المقرر في أبريل القادم، تتعالى التحذيرات من تكرار المهزلة ذاتها داخل مراكز التجميع، وسط مطالبات بفصل لجان الاستلام عن المصالح البيروقراطية لضمان عدم تسريب شحنات القمح الفاسد إلى المخابز البلدية المنتشرة بالقرى.
فضلاً عن ذلك، يجد الفلاح نفسه محاصراً بين خصومات نسب الشوائب المجحفة عند التوريد، وبين رؤية محصوله يُلقى في شون مهملة لتأكله القوارض، في تكريس صارخ لخلل إدارة المنظومة التموينية على حساب الطبقات الكادحة.
فجوة استيرادية واستنزاف للأمن الغذائي
وتتفاقم خطورة هذا الإهدار بالنظر إلى الفجوة الغذائية الهائلة، إذ يتراوح استهلاك مصر السنوي بين 18 و20 مليون طن من القمح، في حين لم يتجاوز الإنتاج المحلي 10 ملايين طن خلال العام الزراعي 2024/2025 المنقضي.
وبناءً على هذه الأرقام، تسعى الحكومة لجمع ما بين 3.5 و4 ملايين طن من المزارعين لدعم الخبز، غير أن بقاء مواقع تخزين رديئة يعرض نسبة معتبرة من تلك الكميات المستهدفة للتلف المباشر وفقدان الصلاحية الاستهلاكية.
ومن جانبه، يبرز الخبير في الاقتصاد الزراعي الدكتور سمير منصور أن استمرار الفاقد التخزيني يعمق التبعية للأسواق الدولية، ويجبر الدولة على استنزاف الاحتياطي النقدي الشحيح لاستيراد قمح بديل لتعويض ما يتلف داخل الشون المكشوفة.
وفي هذا الاتجاه، تجسد وجبة الكشري الشعبية مأساة الارتهان للخارج بتركيبتها التي باتت تعتمد بنسبة 75% على مكونات مستوردة تشمل القمح والعدس والحمص والزيوت والتوابل، مما يفضح عجز السياسات الزراعية عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الأدنى.
وبموازاة ذلك، يتأجج غضب الفلاحين جراء تدني أسعار التوريد الرسمية، حيث يطالب المزارعون برفع سعر الإردب إلى 3000 جنيه ليتناسب مع تكاليف الأسمدة والوقود، محذرين من عزوف جماعي عن زراعة القمح حال استمرار التجاهل الحكومي.
وعليه، يظل مصير المحصول الاستراتيجي رهين تحرك فوري يغلق تلك الشون الترابية ويصلح المنظومة قبل حلول مايو المقبل، ما لم تصر الجهات التنفيذية على تعريض لقمة عيش ملايين المصريين للضياع والفساد التخزيني المزمن.

