أصدرت الدائرة 9 بمحكمة جنح القاهرة الجديدة حكمًا بتغريم رئيسة تحرير موقع مدى مصر لينا عطا الله 3 ملايين جنيه، مع التحفظ عليها حتى السداد، وقضت بغلق المنصة ومصادرة أجهزتها في القضية رقم 11743 لسنة 2026.
​
​
فيما تفرض هذه العقوبة الجنائية المشددة طوقًا على الصحافة المستقلة، متجاهلة مبادرة المنصة لتقديم 3 طلبات رسمية لتقنين أوضاعها خلال أعوام 2018 و2020 و2023، دون أن تتلقى أي إفادة طوال تلك المراحل من المجلس.
​
​
ثماني سنوات من التعطيل والمماطلة الإدارية
​
​
وبناءً على ذلك، بدأت رحلة المماطلة منذ عام 2018 حين سارع الموقع لتقديم أوراقه استجابة لصدور القانون رقم 180 لسنة 2018، الذي مرره نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، لكن طلبه قوبل بتجاهل تام.
​
​
وعلاوة على ذلك، اضطرت إدارة التحرير لإعادة الكرة في عام 2020 فور صدور اللائحة التنفيذية للقانون، أملًا في كسر الجمود البيروقراطي، غير أن الصمت الإداري استمر سيد الموقف دون مسوغ قانوني معلن للمؤسسة الصحفية.
​
​
وفي غضون ذلك، تلقت لينا عطا الله صدمة كبرى خلال عام 2022 أثناء استدعائها للتحقيق أمام النيابة العامة، حين أُبلغت شفهيًا بوجود قرار رفض صادر من المجلس الأعلى دون إخطار المنصة رسميًا حتى اللحظة.
​
​
ومن ثم، لم تستسلم المنصة لهذا الحصار وأعادت تقديم أوراقها مجددًا في عام 2023، لتظل المعاملة حبيسة الأدراج المغلقة، متجاوزة أمد الانتظار الفعلي الذي امتد بين عامين 2 إلى 8 سنوات كاملة من التعليق.
​
​
وفي هذا الصدد، يؤكد نقيب الصحفيين المصريين والباحث في الحريات النقابية خالد البلشي، عبر مذكرة قانونية، أن اللائحة التنفيذية تلزم المجلس قانونيًا بالبت في طلبات الترخيص سواء بالقبول أو الرفض خلال 90 يومًا.
​
​
إضافة إلى ذلك، يشدد البلشي على أن حرمان مقدمي الطلبات من مهلة استيفاء الأوراق، وعدم إخطارهم بالقرارات بخطابات مسجلة بعلم الوصول، يشكلان انحرافًا إجرائيًا جسيمًا يهدر الحقوق ولا يبرر إحالة النزاعات الإدارية للمحاكمات الجنائية.
​
​
هندسة المنع واحتكار الفضاء الرقمي
​
​
وعلى صعيد متصل، تثبت الوقائع الميدانية أن موقع مدى مصر ليس الحالة الوحيدة المحاصرة، بل تتطابق أزمته مع موقع المنصة الذي سدد رسومه في أكتوبر 2018، وأعاد التقديم رسميًا في أغسطس 2020 دون جدوى.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، دفع موقع المنصة ثمن التعنت الإداري عبر اقتحام أمني لمقره في يونيو 2020، واحتجاز رئيسة تحريره نورا يونس مدة 2 ليلتين، قبل إخلاء سبيلها بكفالة 10000 جنيه بتهمة إدارة موقع غير مرخص.
​
​
ومن زاوية موازية، واجه موقع فكر تاني المنشأ في مارس 2023 سيناريو مشابهًا بعد تقديم طلبه في يوليو 2023، حيث انتظر 14 شهرًا ليتلقى رفضًا بزعم عدم وضوح 3 سياسات تشمل التمويل والنشر والتأمين.
​
​
ونتيجة لذلك، شارك مسؤولو الموقع في جلسة استماع رسمية خلال ديسمبر 2024 بعد تقديم التماس مفصل، لكن الانتظار استمر لمدة عامين 2 دون جدوى، ما دفع رئيس مجلس إدارته محمد صلاح لإعداد ملاحقة قضائية.
​
​
في المقابل، توضح الإحصاءات الرسمية منح المجلس 76 ترخيصًا لمواقع و11 تطبيقًا، بجانب توفيق أوضاع 100 موقع عام 2022، و3 مواقع خلال شهر أكتوبر الجاري، ليصل الإجمالي إلى 190 موقعًا في غضون 7 سنوات.
​
​
وحول هذه المعايير، يرى نقيب الصحفيين الأسبق والباحث في التشريعات الصحفية يحيى قلاش أن مسار الإجراءات يكرس الانتقائية الإدارية، بعدما انحرفت الهيئات المنوط بها صون الصحافة لتتحول إلى أدوات رقابة مشددة على المنصات المعارضة.
​
​
سقوط التراخيص أمام الحصانة الدستورية
​
​
وفي السياق ذاته، يوضح عضو مجلس نقابة الصحفيين وخبير الصحافة الرقمية محمد الجارحي وجود نمط منظم لتعطيل ملفات المواقع المستقلة المستوفية للشروط، بينما تتدفق التراخيص بسلاسة لصالح الكيانات التجارية والموالية لتوجهات السلطة التنفيذية القائمة.
​
​
وعلى خلاف ذلك، يكتفي عضو المجلس الأعلى عبد المحسن سلامة بالحديث عن لجان فنية تفحص الطلبات وفق معايير معلنة، دون تقديم إجابة موضوعية تفسر سر تجميد ملفات المواقع الإخبارية المستقلة لسنوات طويلة دون حسم.
​
​
وتأسيسًا على ذلك، يؤكد وكيل نقابة الصحفيين ورئيس لجنة الحريات النقابية محمد سعد عبد الحفيظ أن منظومة التراخيص المفروضة برمتها تصطدم بجدار الدستور المصري، الذي يضمن صراحة حق إصدار الصحف بمجرد الإخطار دون قيود.
​
​
واستنادًا إلى ذلك، يستحضر عبد الحفيظ أحكام المحكمة الدستورية العليا التي قضت ببطلان أي إجراء إداري يحول الإخطار الدستوري إلى ترخيص مقيد، ما يمنح المنصات المستهدفة سندًا قضائيًا متينًا لإسقاط تلك القرارات وتفريغها من مضمونها.
​
​
وختامًا لهذا المسار، يتحول خنق الصحف وحظر تراخيصها عبر البيروقراطية إلى سلاح منهجي لتصفية المجال العام، ما يضع ملف حرية التعبير أمام اختبار وجودي لم تشهده مصر من قبل في تاريخها المعاصر.