تتصاعد نذر انفجار وشيك في أسعار الدواجن داخل الأسواق المصرية، بالتزامن مع إعلان اتحاد المنتجين عن خسائر يومية فادحة تناهز 90 مليون جنيه، نتيجة ارتباك منظومة الإفراج الجمركي وفوضى استيراد مستلزمات الإنتاج الأساسية.
​
​
ومع استمرار هذه الاختناقات المعيشية، يجد المستهلك المصري نفسه محاصرًا بين تراجع قوته الشرائية وتهديدات متتالية بتمرير زيادات سعرية جديدة، وسط إصرار أجهزة السلطة على تحميل المواطنين أعباء الانهيار الاقتصادي المتواصل دون وضع حلول جذرية للأزمة.
​
​
نزيف الخسائر وفوضى سوق الأعلاف
​
​
وبالنظر إلى الأرقام المعلنة، يشهد قطاع تربية الدواجن تصاعدًا في تكاليف التشغيل إثر زيادة طن العلف بنحو 400 إلى 600 جنيه خلال فترة وجيزة، مما دفع صغار المربين نحو حافة الإفلاس التام داخل القرى والمحافظات.
​
​
في المقابل، تتجاهل القرارات الرسمية حقيقة الانفلات القائم في تسعير خامات الذرة والصويا، حيث تُترك الشحنات المستوردة لسطوة كبار المستوردين المحميين، بينما تتراكم الديون على أصحاب العنابر المهددة بالإغلاق والتصفية السريعة قبل حلول فصل الشتاء.
​
​
من جانبه، يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث الدكتور رشاد عبده، أن عجز المنظومة الحالية ينبع من غياب الرقابة على تداول مدخلات الإنتاج، وترك السوق لشركات نافذة تحتكر استيراد الحبوب وتفرض هوامش ربح خيالية.
​
​
بناءً على ذلك، تحولت خطط الاكتفاء الذاتي المزعومة إلى مجرد واجهة دعائية تخفي وراءها تدمير الثروة الداجنة الوطنية، لصالح مافيات الاستيراد التي تستنزف حصيلة العملات الصعبة في صفقات مشبوهة لا تخدم أمن البلاد الغذائي.
​
​
علاوة على ذلك، أدى شلل السياسات التمويلية للبنوك العامة إلى حرمان صغار المنتجين من قروض ميسرة لتجاوز كبوة التكاليف، بينما تتدفق التسهيلات الائتمانية الضخمة لصالح الكيانات الكبرى المرتبطة بدوائر النفوذ الإداري والعسكري داخل الدولة.
​
​
ونتيجة لهذا الخلل، تصاعدت معدلات التخارج اليومي للمربين منذ شهر أكتوبر الماضي، ما ينذر بفراغ إنتاجي حاد سيعيد مشهد إعدام الكتاكيت بصورة أوسع، ويدفع الأسعار إلى قفزات جنونية خلال الشهور المقبلة دون رادع.
​
​
تمهيد ممنهج لرفع أسعار البيع
​
​
في سياق متصل، تمثل التصريحات المتكررة حول الخسائر اليومية التي تبلغ 90 مليون جنيه بالونا لاختبار الرأي العام، لتهيئة المواطنين لتقبل موجة غلاء جديدة بدعوى إنقاذ الصناعة وتفادي الانهيار الكامل لمنظومة الإنتاج المحلي.
​
​
ومن الواضح أن اتحاد المنتجين يمارس ضغوطًا تفاوضية مدروسة ضد الأجهزة الحكومية، لتحميل المستهلك النهائي فاتورة التشوهات الهيكلية التي تسببت فيها سياسات تعويم الجنيه ورفع الدعم المستمر عن مصادر الطاقة والمحروقات بمختلف قطاعات التشغيل.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد خبير الاقتصاد الدولي الدكتور عبد النبي عبد المطلب، أن استراتيجية تفريغ الأزمات في جيوب المواطنين تعكس استسلام الإدارة المركزية لحلقات الاحتكار، وعجزها عن كبح جماح التسعير العشوائي لمدخلات الإنتاج المستوردة.
​
​
إلى جانب ذلك، يدفع نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بالسوق نحو نمط تسعيري جائر، يتجاهل تدني الأجور ويفرض على الأسر الفقيرة التنازل القسري عن أبسط مصادر البروتين الحيواني بعد حرمانها من اللحوم الحمراء.
​
​
وتأكيدًا لهذه الفوضى، تشير الوقائع الميدانية إلى أن أي تحريك مرتقب في أسعار البيع بالمزارع لن يعيد الاستقرار للسوق، بل سيطلق العنان لموجات تضخمية متلاحقة تلتهم ما تبقى من مدخرات مالية لدى قطاعات المجتمع الكادحة.
​
​
وعلى ضوء ذلك، تتحول خطابات الإنقاذ المزعومة إلى مظلة لشرعنة الجباية، حيث يُجبر المواطن على دفع ثمن فشل المنظومة الاقتصادية الرسمية التي عجزت عن توفير بدائل محلية للأعلاف أو حماية صناعة استراتيجية وطنية.
​
​
سماسرة التوزيع واستنزاف جيوب المستهلكين
​
​
وبالرغم من ادعاءات الخسارة، يبلغ سعر كيلو الدواجن داخل المزرعة 73 جنيهًا فقط، بينما يقفز لدى محال التجزئة إلى ما بين 85 و90 جنيهًا، لتلتهم حلقات السمسرة والوسطاء هامشًا يتراوح بين 12 و17 جنيهًا للكيلو الواحد.
​
​
وهنا يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي والتسويق بجامعة القاهرة الدكتور جمال صيام، أن هذه الفجوة غير المبررة تؤكد غياب الرقابة التموينية على أسواق الجملة، وسيطرة شبكات وسيطة غير خاضعة للضوابط على تسعير التداول اليومي في المحافظات.
​
​
فضلاً عن ذلك، يتهرب مسؤولو وزارة التموين من تفعيل التسعير الجبري العادل أو مراقبة سلاسل الإمداد، تاركين المستهلك فريسة لتجار التجزئة الذين يضيفون تكاليف النقل والتبريد بصورة مبالغ فيها وبلا أي سند محاسبي قانوني.

وعلاوة على هذه التجاوزات، يثبت تفاوت الأسعار بين الأحياء الشعبية والمناطق الراقية غياب المعايير العادلة للتوزيع، وتواطؤ الأجهزة التنفيذية مع كبار الحلقات الوسيطة التي تجني أرباحًا طائلة على حساب جوع الفقراء وإفلاس صغار المنتجين.
​
​
وفي النهاية تبقى صناعة الدواجن في مصر ضحية سياسات مالية عشوائية تدار بعقلية الجباية والتجاهل، مما يهدد بتصفية ما تبقى من أمن غذائي ويدفع ملايين المواطنين نحو حافة الجوع الحقيقي بلا أدنى حماية.