تواجه الأحياء السكنية والشوارع المصرية أزمة متفاقمة جراء الانتشار غير المسبوق للكلاب الضالة التي أصبح عددها يصل إلى 40 مليون كلب يهددون حياة المواطنين يوميًا، وسط تقاعس حكومي واضح عن إيجاد حلول جذرية تحمي الأرواح.

 

وتتصاعد المطالبات البرلمانية والشعبية لمعرفة مصير المليارات المخصصة لمواجهة هذه الكارثة بعد تسجيل 1.4 مليون ضحية عقر، في ظل غياب الشفافية حول أوجه إنفاق 2.15 مليار جنيه رُصدت نظريًا للتصدي لخطرر الكلاب الضالة التي أصبحت تهدد كل بيت وحي.

 

استنزاف ميزانية الصحة واستمرار التكاثر العشوائي

 

تشهد المستشفيات الحكومية تدفقا هائلا للمصابين بعد قفز حالات عقر الكلاب إلى 1.4 مليون حالة مؤخرا، مقارنة بمعدلات لم تتجاوز 1.2 مليون حالة في عام 2025 والأعوام السابقة، ما يعكس انهيار آليات الوقاية الميدانية.

 

علاوة على ذلك، استنزفت هذه الظاهرة خزينة الدولة بتكلفة بلغت 1.7 مليار جنيه لتوفير اللقاحات والأمصال المضادة، متجاوزة الميزانية السنوية المعتادة المقدرة بنحو 1.2 مليار جنيه، نتيجة فشل الجهات التنفيذية في تحجيم المشكلة من منبعها.

 

ومن ناحية أخرى، تتحمل الموازنة العامة نحو 1250 جنيها لتوفير الجرعة الوقائية للفرد الواحد بالمجان، والمكونة من 4 جرعات لقاح وجرعة مصل حسب الحالة، وهو إنفاق علاجي كان يمكن تفاديه بتطبيق خطط وقائية ناجعة.

 

وفي هذا السياق، تبرز خطورة الوضع الوبائي مع تأكيد المتحدث الرسمي لوزارة الصحة أن الكلاب الضالة مسؤولة مباشرة عن 90% من إصابات السعار المسجلة، بينما تتراوح أعدادها بالمحافظات بين 15 إلى 40 مليون كلب ضال.

 

وبناء على تلك الأرقام، يوضح الدكتور محمد عبد الفتاح، أستاذ الطب الوقائي والأوبئة، أن الاعتماد الحصري على استيراد الأمصال دون تجفيف منابع التكاثر العشوائي يمثل إهدارا للمال العام وغيابا للتخطيط الصحي الاستراتيجي في إدارة الأزمات البيئية.

 

كما يضيف أستاذ الطب الوقائي أن ترك ما يصل إلى 40 مليون كلب في الشوارع يحول المدن إلى بؤر وبائية مفتوحة، مؤكدا أن سياسات رد الفعل الحالية تعجز تماما عن مجابهة سرعة تكاثر الحيوانات بالمحافظات.

 

غموض مصير المليارات وغياب الرقابة

دفعت هذه التطورات الخطيرة الدكتورة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، إلى تقديم طلب إحاطة عاجل لمحاسبة الحكومة حول تصاعد هجمات الكلاب الضالة، وما ينتج عنها من إصابات وعاهات مستديمة ووفيات، ومراجعة الموقف التنفيذي والمالي للخطة الوطنية.

 

وبالتزامن مع ذلك، شمل التحرك البرلماني مواجهة 3 وزراء معنيين إلى جانب رئيس مجلس الوزراء، وهم وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، ووزير الصحة والسكان، للوقوف على أسباب القصور في حماية المواطنين.

 

وفضلا عن غياب النتائج الميدانية، أثار إعلان رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية خلال اجتماع لجنة الزراعة بمجلس النواب في يونيو 2026 حول رصد 2.15 مليار جنيه للتعامل مع 3 ملايين كلب تساؤلات حادة حول مصير التمويل.

 

وعلى صعيد متصل، طالبت النائبة ببيان إجمالي الاعتمادات المالية المخصصة لهذا الملف خلال العام المالي 2025/2026، وما أُدرج في موازنة 2026/2027، مع تحديد نصيب كل جهة وأوجه الإنفاق، وما إذا كان التمويل اعتُمد كليا أم جزئيا.

 

ومن جانبه، يؤكد الدكتور حسن الصباغ، الخبير الاقتصادي ومستشار السياسات العامة، أن التضارب بين الأرقام المعلنة والواقع الميداني يعكس خللا هيكليا في إدارة المخصصات المالية، حيث تُرصد المليارات على الورق دون أثر ملموس يحمي المواطن.

 

وإلى جانب ذلك، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن تخصيص 2.15 مليار جنيه للتعامل مع 3 ملايين كلب فقط من أصل 40 مليون كلب يبرهن على غياب الجدوى الاقتصادية والرقابة الصارمة على مصروفات الهيئات الحكومية.

 

فشل خطط الإيواء والتعقيم الميدانية

 

رغم إعلان الحكومة المتكرر عن خطة وطنية تتضمن إنشاء مراكز إيواء بالمحافظات وتفعيل برامج التعقيم والتحصين والترقيم وإعادة الإطلاق، فإن الشوارع لا تزال تعاني من غياب أي تراجع في أعداد الحيوانات المهاجمة للمواطنين.

 

ونتيجة لهذا التناقض، تصاعدت المطالب البرلمانية بضرورة إعلان حجم الإنفاق الفعلي ونسب التنفيذ الحقيقية، وتوضيح موقف إنشاء وتشغيل مراكز الإيواء والتعقيم، وعدد المراكز التي دخلت الخدمة فعليا وطاقتها الاستيعابية وتكاليف تشغيلها والجهات المشرفة عليها.

 

وفي المقابل، تتسع الفجوة يوميا بين سرعة تكاثر الحيوانات وبطء آليات السيطرة الحكومية، خاصة مع تركز الإصابات في 3 محافظات تصدرت معدلات العقر، ما يثبت بقاء الخطط الرسمية حبيسة الأدراج دون جدول زمني ملزم.

 

وفي ضوء هذا التدهور، يقول الدكتور طارق المنيري، استشاري الطب البيطري وإدارة الحياة البرية، إن برامج التعقيم والتحصين المعلنة تفتقر إلى البنية التحتية والفرق المدربة، ما يجعل حديث الحكومة عن السيطرة الميدانية مجرد وعود غير قابلة للتطبيق.

 

وأخيرا، يشدد استشاري الطب البيطري على أن غياب التنسيق بين المحليات والطب البيطري في إدارة النفايات ومراكز الإيواء أفرغ الخطة الوطنية من مضمونها، وحول الشوارع المصرية إلى بيئة حاضنة لتكاثر ملايين الكلاب دون رادع.