تتصاعد موجة الغضب بين المزارعين في مختلف المحافظات المصرية عقب إعلان الحكومة تحديد سعر توريد أردب القمح للموسم المقبل عند 2650 جنيهاً، بزيادة لا تتجاوز 6% عن العام الماضي البالغ 2500 جنيه.
​
​
وتأتي هذه القرارات الحكومية في وقت يستعد فيه الفلاحون لموسم الزراعة الممتد من منتصف نوفمبر وحتى نهاية يناير، وسط تحذيرات برلمانية ونقابية من عزوف المزارعين عن التوسع في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.

 

 

​قفزات جنونية في تكاليف الإنتاج الزراعي
​
​
ومن ناحية أخرى، تتضاعف أعباء الفلاحين نتيجة القفزات الجنونية في أسعار مدخلات الإنتاج الأساسية، حيث ارتفعت تكلفة تجهيز الفدان الواحد وأعمال الحرث أضعافاً مضاعفة مقارنة بالمواسم الزراعية السابقة في ظل التضخم المستمر.
​
​
وعلاوة على ذلك، شهدت أجور العمالة الزراعية اليومية ارتفاعات غير مسبوقة، مما يثقل كاهل المزارع البسيط الذي يواجه صعوبات مالية كبيرة في توفير السيولة النقدية اللازمة لبدء الموسم الزراعي الجديد في موعده.
​
​
وفي السياق ذاته، يعاني الفلاحون من نقص حاد ومستمر في حصص الأسمدة المدعمة داخل الجمعيات الزراعية، الأمر الذي يربك حسابات المزارعين ويهدد بضعف إنتاجية الأراضي الزراعية خلال الموسم الممتد حتى يناير.
​
​
ونتيجة لذلك، يضطر المزارع المصري إلى اللجوء للسوق الحرة لشراء احتياجاته من الأسمدة بأسعار باهظة تتراوح ما بين 1200 إلى 1700 جنيه للشكارة الواحدة، مما يلتهم أي عائد مالي متوقع من المحصول.
​
​
وبالإضافة إلى تلك الأعباء، سجلت أسعار التقاوي المعتمدة ارتفاعات كبيرة، بالتزامن مع زيادة تكاليف ري الأراضي وتشغيل ماكينات المياه وحصاد المحصول، لتصبح العملية الزراعية عبئاً مالياً يفوق قدرة الفلاحين في مختلف المحافظات.
​
​
ووفقاً لدراسات الجدوى الاقتصادية، تتراوح تكلفة زراعة الفدان الواحد من القمح حالياً بين 40 إلى 50 ألف جنيه، شاملة القيمة الإيجارية للأرض وتكاليف الأسمدة والتقاوي والمياه وأجور العمالة طوال ستة أشهر.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، أن تحديد السعر عند 2650 جنيهاً يتجاهل معدلات التضخم الحقيقية وقفزات الوقود والأسمدة، مما يحمل الفلاح وحده فاتورة الاختلالات الاقتصادية الراهنة دون غطاء حمائي.
​
​
ومع ذلك، تكتفي الحكومة برفع السعر بضع مئات من الجنيهات دون النظر إلى الفجوة المتسعة بين تكلفة المدخلات والعائد النهائي، مما يضع المزارع أمام معادلة خاسرة تهدد استقراره المعيشي والاجتماعي.

 

 

عائدات ضئيلة تهدد معيشة المزارع المصري
​
​
وفي المقابل، يبلغ متوسط إنتاجية الفدان الواحد نحو 20 أردباً، ما يعني أن إجمالي عائد الفدان وفقاً للسعر الحكومي المعلن عند 2650 جنيهاً سيصل إلى قرابة 53 ألف جنيه فقط في نهاية الموسم.
​
​
وبناءً على هذه الأرقام، لا يتجاوز هامش الربح الصافي للفلاح بضعة آلاف من الجنيهات طوال موسم زراعي شاق يستغرق نحو 6 أشهر، وهو مبلغ يتلاشى تماماً أمام التزامات المعيشة اليومية المتزايدة.
​
​
ولهذا السبب، يعتبر المزارعون أن هذه الزيادة البالغة 6% تمثل إجحافاً واضحاً بحقهم، إذ لا تغطي الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية لأسرهم في ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع أسعار السلع.
​
​
ومن جهته، يوضح نقيب الفلاحين حسين أبو صدام أن السعر العادل يجب ألا يقل عن 3000 جنيه للأردب لتعويض التكلفة التي قاربت 50 ألف جنيه للفدان، محذراً من تآكل رأس مال المزارع.
​
​
وبالتزامن مع هذا الغضب، تصاعدت التحركات البرلمانية المكثفة داخل لجنة الزراعة بمجلس النواب لمطالبة الحكومة بإعادة النظر في القرار، ورفع سعر التوريد بشكل فوري إلى 3000 جنيه للأردب كحد أدنى.
​
​
وعلى صعيد متصل، تهدف هذه المطالبات البرلمانية والنقابية إلى ضمان هامش ربح عادل يحمي الفلاح المصري من تكبد خسائر مالية فادحة، ويدعمه للاستمرار في زراعة أرضه بدلاً من هجرها أو تبويرها.
​
​
ورغم أن سعر الأردب ارتفع من 820 جنيهاً في موسم 2022 إلى 1500 جنيه في 2023 ثم تجاوز 2000 جنيه في 2024، فإن قيمة الجنيه الشرائية تراجعت بشدة أمام تكاليف الإنتاج.
​
​
كما أن وصول السعر إلى ما بين 2250 و2350 جنيهاً في موسم 2025، ثم 2500 جنيه في موسم 2026 بتوريد قارب 5 ملايين طن، لم يمنع تأزم الموقف المالي للفلاحين حالياً.

 

 

مخاطر تهدد الأمن الغذائي والتوريد المحلي
​
​
ومن جانبهم، يحذر نواب في البرلمان من أن تجاهل مطلب الـ 3000 جنيه للأردب سيدفع المزارعين نحو خيارات بديلة تضر بالأمن الغذائي القومي، وتقلص المساحات المزروعة بالقمح خلال الموسم الذي يبدأ في نوفمبر.
​
​
وبالتالي، قد يتجه قطاع واسع من الفلاحين إلى زراعة محاصيل علفية أو خضروات تحقق عوائد مالية سريعة وأعلى، هرباً من الخسائر المحققة في زراعة القمح وفق التسعير الحكومي الحالي البالغ 2650 جنيهاً.

وفضلاً عن ذلك، تزداد احتمالات لجوء المزارعين إلى بيع محصولهم للتجار والمصانع الخاصة بعيداً عن الشون الحكومية، مما يهدد قدرة الدولة على جمع المستهدفات اللازمة لمنظومة الخبز المدعم في البلاد.
​
​
وفي هذا الصدد، يشير الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات الزراعية، إلى أن تقاعس الحكومة عن منح الفلاح سعراً مجزياً يعمق التبعية الغذائية للخارج ويهدر العملة الصعبة لصالح المستوردين.
​
​
وعلى الرغم من التوقعات بإنتاج 10 ملايين طن وتراجع الواردات بنسبة 22.6%، فإن السياسات التسعيرية الحالية لنظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تهدد بنسف هذه المستهدفات وإعادة البلاد لدائرة العجز الغذائي.
​
​
وكما يظهر في الواقع المعيشي، يعتمد الغذاء الشعبي كطبق الكشري على مكونات مستوردة بنسبة 75% تشمل القمح والعدس والحمص والزيوت والتوابل، مما يثبت خطورة التفريط في الإنتاج الزراعي المحلي.
​
​
ومن ثم، يرى البرلمانيون أن تحفيز الفلاح محلياً عبر سعر عادل يعد خياراً أكثر اقتصادية وأماناً، بدلاً من الاعتماد المفرط على استيراد القمح بالعملة الصعبة وسط الاضطرابات العالمية المتلاحقة.
​
​
وفي نهاية المطاف، يبقى موسم زراعة القمح الممتد من نوفمبر إلى يناير رهيناً باستجابة الحكومة لمطالب رفع السعر إلى 3000 جنيه، لإنقاذ الفلاحين من الخسائر وحماية الأمن الغذائي من الانهيار.