أكد الكاتب المصري إبراهيم خالد، في مقاله الذي يسرد فيه تجربة اعتقال وتعذيب قاسية، أن الأول من فبراير عام 2025 لم يكن يومًا عاديًا في حياته، بل شكّل نقطة فاصلة بين حياة ملؤها الطموح ومستقبل انقلب إلى هاوية من القهر.

 

واستعاد الكاتب تفاصيل ذلك اليوم، موضحًا أنه غادر غرفته متوجهًا إلى جهة عمله بعد ليلة طويلة من الأرق والتفكير في كيفية تدبير القسط الثالث لشقته التي طالما حلم بشرائها، وظل يترقب بزوغ الفجر باعتباره طوق نجاة من دوامة التفكير، دون أن يدرك أن ما ينتظره سيكون أشد وطأة من كل ما شغل ذهنه طوال الليل؛ إذ كان على وشك الدخول إلى عالم تحكمه أزمنة وأمكنة وقواعد مختلفة عن العالم الذي اعتاد العيش فيه.

 

وتناول الكاتب اللحظة التي خرج فيها من مقر عمله، مشيرًا إلى أن الزمن بدا وكأنه توقف فجأة مع انقضاض سيارة زرقاء داكنة عليه، وصفها بأنها سيارة تُشترى بأموال المواطنين. واندفع من السيارة خمسة رجال يرتدون ملابس مدنية، بملامح جامدة ومسدسات مشهرة في وجهه، قبل أن ينتزعوه من بين الناس كما لو كان مجرمًا هاربًا، ويلقوا به داخل السيارة بعد تجريده فورًا من هاتفه وكل ما كان في جيوبه.

 

وأضاف أن الطريق إلى مقر «الأمن الوطني»، أو ما يُعرف بـ«ما وراء الشمس»، كما يقول، تحوّل إلى رحلة استهدفت تجريده من آدميته، بعدما وجد نفسه في قبضة رجال لم يفصحوا له عن سبب القبض عليه، رغم تكرار تساؤلاته لهم عن ذنبه أو الجناية التي ارتكبها، مؤكدًا أنه لم يكن يتحدث مع أحد عن الدين أو السياسة، ولم يفهم سبب معاملته بهذه الطريقة.

 

وأوضح الكاتب أنه وصل إلى المقر بالتزامن مع أذان الظهر، لكن صوت الأذان لم يمنحه السكينة التي كان يرجوها، إذ استقبلته القيود والأغطية التي حُجبت بها عيناه عن النور. وبعد سلسلة من الإهانات والتوبيخات على أيدي أمناء الشرطة الذين تولوا اقتياده بين الغرف، همس أحدهم في أذنه مهددًا إياه بالتعذيب بالكهرباء، قائلًا: «جهزي نفسك عشان تترقصي على الكهربا تك تك تك»، قبل أن يسلمه إلى زميله الذي صرخ ضاحكًا بسخرية: «الليلة دخلتك يا عروسة ها ها ها». واستمرت هذه المعاملة حتى اقتيد مباشرة، كأنه أسير، إلى غرف التحقيق في الطوابق العليا، حيث بدأت فصول المأساة، وفق روايته.

 

 

داخل غرف التحقيق.. من الاستجواب إلى التعذيب الممنهج

 

واستعرض الكاتب تفاصيل التحقيق الأول، موضحًا أنه واجه ضابطين يعاونهما ثلاثة عساكر، وصف أصواتهم بالخشونة وقلوبهم بالغلظة، مشيرًا إلى أن نبراتهم عكست قسوة الرتبة وملامح خريف العمر. وبدأ التحقيق بأسئلة اعتيادية في ظاهرها، إذ سأله أحد الضابطين عن أحواله وما إذا كان يعرف سبب وجوده في المكان، فأجاب بأنه لا يعرف ويريد معرفة السبب.

 

وأضاف أن الأسئلة انتقلت سريعًا إلى اتهامات بالتمويل، إذ سأله الضابط عن الشخص الذي يوفر له الأموال، فرد مستنكرًا أنه لا يعرف أي تمويل يتحدث عنه، قبل أن يسأله عن المسؤول عنه في الجامعة. فأجاب بأن ولي أمره كان والده ووالدته، لتنهال عليه أولى الصفعات وسط ضحكات ساخرة وشتائم جنسية، ثم واجهه المحقق بسؤال عما إذا كان يرفض الاعتراف، فرد بأنه لا يفهم ما يجري ولا يعرف ما الذي يُطلب منه قوله.

 

وأكد الكاتب أن التحقيق لم يكن استجوابًا بقدر ما كان محاولة لكسر إرادته؛ فعندما لم تُرضِ إجاباته الصادقة بشأن نشاطه الجامعي وتعاملاته المالية البسيطة المحققين، قرروا الانتقال إلى ما وصفوه بـ«المرحلة الكبرى». وأوضح أن أصواتهم ارتفعت، وانهالت عليه الإهانات التي طالت كرامته وعرضه وأسرته، قبل أن يجردوه من ملابسه قسرًا رغم مقاومته، ليجد نفسه عاريًا إلا من العصابة التي كانت تغطي عينيه، بينما شرعوا في تجهيز أدوات التعذيب.

 

وتناول الكاتب تفاصيل تلك الأدوات والوسائل، موضحًا أنهم استبدلوا الأصفاد الحديدية برباط قماشي خشن شُد خلف ظهره بعنف، ما جعل قفصه الصدري في حالة تمدد مؤلمة وكتفيه تحت شد شديد. كما ألقوه على مرتبة قديمة متهالكة، وجلس عسكريان بكل ثقلهما فوق كتفيه، كل منهما على كتف، لمنعه من القيام بأي حركة دفاعية، ثم وضعوا كرسيًا بين ساقيه لفتحهما عنوة، وربطوا قدميه بإحكام في أسفل الكرسي.

 

وأضاف أن الصعقات الكهربائية بدأت بعد تثبيت جسده بهذه الطريقة، إذ وضع المحققون سلكين كهربائيين في أصابع قدميه، وكانت الشحنة تعبر جسده مع كل ضغطة زر، في ألم شبّهه بإعصار من السكاكين المحماة أو عضات كلاب ضالة جائعة تنهش لحمه بلا رحمة. واستعاد شعوره خلال تلك اللحظات، قائلًا إنه كان يحس بدمه يغلي ودماغه كأنه مرجل يفور.

 

وأكد الكاتب أن جلسات التحقيق كانت تمتد من الظهر حتى العشاء دون توقف، وسط صرخات الاستغاثة وطلبات الماء التي لم تجد استجابة، فيما كان يعاني جفافًا شديدًا في حلقه وألمًا في كتفه كاد يشعر معه بأنه سينفصل عن جسده. وأوضح أن شدة الصعق كانت تدفع جسده إلى الانتفاض والارتعاش بعنف، حتى إن الحركات اللاإرادية التي تصدر عنه كانت تزعزع العسكريين الجالسين فوقه وتدفعهم إلى الابتعاد، الأمر الذي كان يثير غضب الضابط، فيوبخهم ويزجرهم لعجزهم عن تثبيت جسد يصارع الموت. وأضاف أنه كان ينطق الشهادة مع كل صعقة، مستحضرًا مشهد الموت الذي خيّم على الغرفة، وموقنًا بأن نهايته باتت وشيكة.

 

واستعرض الكاتب أشكال التعذيب الأخرى التي تعرض لها، مشيرًا إلى أن الأمر لم يقتصر على الصعق الكهربائي، بل امتد إلى الضرب المبرح والركل في مختلف أنحاء جسده، وصولًا إلى رأسه الذي تلقى ضربات كادت تطيش بعقله. وأوضح أنه في نهاية كل جلسة، كان الضابط ينتزع الكرسي من بين ساقيه، ويفك قيودهما، ثم يباعد بينهما قسرًا، قبل أن يوجه ضربات عنيفة بباطن قدمه إلى عضوه الذكري العاري، مكررًا ذلك مرات عدة في مشهد وصفه بأنه بالغ السادية ويناقض أبسط معاني الإنسانية. وأضاف أن هذه الممارسات كانت تتخللها أسئلة متواصلة وشتائم جنسية بذيئة وتهديدات صريحة بانتهاك عرضه.

 

وتناول الكاتب طبيعة الاتهامات التي واجهها خلال التحقيق، موضحًا أنه سُئل عن علاقات مزعومة بشخصيات لا يعرفها، وطرق التواصل معها، والأماكن التي يخفي فيها تطبيقات «ديسكورد» و«VPN» على هاتفه. كما خضع لاستجوابات مطولة بشأن علاقته بجماعة الإخوان المسلمين، ودوره المزعوم في إعادة إحيائها، بحسب ما قال المحققون، فضلًا عن منشورات عادية كتبها، شأنه شأن آخرين، تعاطفًا مع مأساة غزة، وما نسجوه حولها من علاقات واتهامات لا أساس لها، وفق روايته.

 

وأضاف أن إجاباته كانت تنفي تلك الاتهامات بصورة قاطعة، مؤكدًا أنه لم يكن يعرف الأشخاص الذين سُئل عنهم، وأن غايته في الحياة لم تتجاوز السعي لتحسين مستوى معيشته وزيادة دخله والوفاء بالتزاماته المالية. وأشار إلى أنه قدم لهم الأيمان والإثباتات التي تؤكد أقواله، لكن ذلك لم يوقف التعذيب، الذي استمر حتى فقد وعيه.

 

 

زنزانة ضيقة وتهديدات مفتوحة.. من التعذيب إلى القضية الجاهزة

 

وأكد الكاتب أنه لم يكن يفيق من غيبوبة التعذيب إلا ليجد نفسه ملقى في زنزانة انفرادية مراقبة بالكاميرات، قدّر أبعادها بنحو 50 سنتيمترًا عرضًا ومترين طولًا. وأضاف أنه كان مكبل اليدين إلى أسفل الجدار، في وضع شبّهه ببهيمة مربوطة في مذود، دون أن يشاركه أحد المكان أو الألم، باستثناء زجاجة مياه فارغة ودلو بلاستيكي فارغ لقضاء حاجته.

 

واستعرض الكاتب معاناته داخل الزنزانة خلال الليل، موضحًا أنه كان يتحسس جسده بحثًا عن أي شيء يخفف جوعه ويساعد على رفع مستوى السكر في دمه، الذي انخفض إلى حد دفعه نحو حافة الموت. وأضاف أنه تناول بشراهة علبة صغيرة من المربى وقطعة صغيرة من الحلاوة الطحينية رديئة الصنع، وكانت تلك اللقيمات أول ما دخل جوفه في اليوم الأول بعد ساعات طويلة من الجوع والعطش. وما إن انتهى من تناولها حتى أُعيد اقتياده معصوب العينين إلى جلسات التعذيب، التي استمرت حتى الساعات الأخيرة من الليل، ووصلت إلى الواحدة بعد منتصف الليل.

 

وأكد الكاتب أن هذا المشهد تكرر على مدى أربعة أيام كاملة، ازدادت خلالها شدة الصعقات الكهربائية، حتى شعر وكأن المحققين يحاولون تفكيك ذرات جسده. وأوضح أنه بعدما عجزوا عن انتزاع معلومات منه بشأن ما سموه «العمليات الإرهابية» أو «التمويل الخارجي»، صعّدوا التعذيب بتوصيل الأسلاك الكهربائية مباشرة بعضوه الذكري. وأضاف أن الألم في تلك اللحظة تجاوز المعاناة الجسدية ليصبح اعتداءً على كرامة الروح، مشبهًا إحساسه بكلاب مسعورة تنهش لحمه من الداخل، فيما زادت برودة الغرفة التي كان يُترك فيها عاريًا من ارتعاش أطرافه.

 

وتناول الكاتب مرحلة أخرى من التعذيب، موضحًا أنه عندما فشل المحققون في انتزاع اعتراف منه بما لم يرتكبه، أجلسوه على كرسي حديدي وقيدوه إليه، ثم وصلوا الكهرباء بأطراف الكرسي، لتسري الشحنة في جسده دفعة واحدة. وأشار إلى أن المحققين كانوا يصرخون في وجهه مطالبين إياه بأن يرحم نفسه من العذاب ويعترف، مرددين أنهم أكثر رحمة به من أشخاص آخرين يطلبونه بالاسم، وأنه لولا وجوده معهم لما نال تلك الرحمة المزعومة.

 

وأضاف الكاتب أن المحققين غيّروا أسلوبهم في ختام الأيام الأربعة، فاستبدلوا القسوة بلين وصفه بالكاذب، وقدموا له المشروبات، مدّعين أن أفكاره متجذرة فيه كخلايا الدم، ولا سبيل إلى انتزاعها إلا بالتعاون معهم. وأكد أنه تمسك ببراءته رغم تلك المحاولات، فواجهوه بتهديد صريح بإلقائه في قضايا جاهزة ومعلبة تنتظر من يُتهم بها.

 

واستعرض الكاتب ما وصفه بنهاية رحلة الاعتقال، موضحًا أنها انتهت بترحيله ليلًا، ثم عرضه بصورة شكلية أمام النيابة، حيث وُجهت إليه اتهامات قال إنها كُتبت قبل أن يولد. وأضاف أنه وقف أمام وكيل النيابة بملابس ممزقة وعينين غائرتين وجسد يحمل آثار الصعق الكهربائي، محاولًا الدفاع عن نفسه، لكن وكيل النيابة، بحسب روايته، تجاهل الحقائق ووقّعه في قضية لا علاقة له بها، تاركًا مستقبله محترقًا تحت وطأة ما تعرض له من تعذيب.

 

وأكد الكاتب أن تنقله من النيابة وإليها أتاح له رؤية الناس في الشوارع كما لو كانوا يعيشون في عالم مختلف تمامًا عن عالمه. وأوضح أنه كان يشاهدهم يمضون في حياتهم بصورة طبيعية، ويسطرون مستقبلهم ويعيشون أيامهم في سلام، بينما وجد نفسه خلف القضبان، لا بسبب ذنب ارتكبه، وفق روايته، بل نتيجة ما وصفه بضريبة فُرضت عليه في زمن اختلطت فيه الحقائق بالخيال.

 

واختتم الكاتب شهادته باستعادة التناقض القاسي بين حياته قبل ذلك اليوم، حين كان منشغلًا بتدبير قسط شقته وتحسين ظروفه المعيشية، وبين واقعه بعد الاعتقال، حين وجد نفسه أمام تجربة وصفها بأنها سلبت منه الأمان والحرية وهددت مستقبله. ومن خلال سرد تفاصيل الأيام الأربعة، قدّم إبراهيم خالد روايته لما تعرض له من اعتقال وتعذيب واتهامات، مؤكدًا تمسكه ببراءته من الوقائع التي نُسبت إليه.