أثار رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي تكهنات بشأن خليفته المحتمل ودور المؤسسة العسكرية في اختيار من يليه، بعدما أعلن عزمه مغادرة منصبه عام 2030، وكشف عن برنامج لإعداد مرشحين لتولي الرئاسة. ويطرح هذا التوجه تساؤلات حول مستقبل انتقال السلطة في مصر، وما إذا كان الجيش سيواصل لعب الدور الحاسم في تحديد قيادة البلاد، وفقًا لتقرير نشرته شبكات الشرق الأوسط للإرسال.


وبحسب التقرير الذي نشرته الشبكة لم يحدد السيسي اسم خليفة محتمل، لكنه طرح مسارًا لإعداد «قادة المستقبل» من خلال الأكاديمية العسكرية المصرية، التي توسع دورها خلال السنوات الأخيرة ليشمل تدريب وتأهيل أشخاص لشغل مناصب قيادية في الدولة، من الوزراء والمحافظين إلى أعضاء البرلمان ورئيس الجمهورية.

 


الأكاديمية العسكرية ودورها في تحديد خليفة السيسي


قال السيسي، خلال كلمة ألقاها في الأكاديمية العسكرية المصرية قبل أيام، إن ولايته الرئاسية الحالية، التي تنتهي عام 2030، ستكون الأخيرة له، مؤكدًا أن الأمر «حُسم تمامًا». كما رفض إجراء تعديلات دستورية تسمح له بالبقاء في السلطة بعد ذلك التاريخ.


وفي تعليقه على هذه التصريحات، قال يزيد صايغ، الباحث الأول في مركز مالكوم كير كارني للشرق الأوسط في بيروت، لشبكات الشرق الأوسط للإرسال، إن تطبيق هذا النظام سيشكل سابقة غير معهودة في أي مكان بالعالم، وربما باستثناء الأنظمة الشيوعية.


ونشر صايغ عام 2025 كتاب «إعادة تشكيل مصر في عهد السيسي»، ورأى أن تحديد أسماء المرشحين المحتملين لخلافة السيسي أقل أهمية من فهم موقف المؤسسة العسكرية من انتقال السلطة، وما إذا كانت ستسمح للسيسي بتمديد حكمه بعد عام 2030 أم ستختار خليفته.


كما تساءل عما إذا كان إعلان السيسي المفاجئ استجابة لآراء داخل المؤسسة العسكرية، أو انعكاسًا لمعارضة الجيش تمديد ولاية الرئيس، أو محاولة لتجاوز هذه المعارضة.


ويبلغ السيسي 71 عامًا، ويقضي ولايته الرئاسية الأخيرة بعد فوزه بولاية جديدة في ديسمبر 2023. وكانت تعديلات دستورية أُقرت في استفتاء عام 2019 قد مددت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، ما أتاح له الترشح لولايته الثالثة الحالية.

 


خلافة عائلية أم استمرار نفوذ المؤسسة العسكرية؟


قال السيسي في أحدث تصريحاته، إنه يريد تسليم قيادة مصر إلى جيل قادر على تحمل المسؤولية، ونفى أن يكون هدفه نقل السلطة إلى أحد أفراد عائلته.


لكن التكهنات تصاعدت بشأن تنامي نفوذ أبناء رئيس الانقلاب، ولا سيما محمود السيسي، الذي يشغل منصبًا رفيعًا في جهاز المخابرات العامة المصرية.


ويشكك صايغ في أن يكون السيسي قد حسم أمره بشأن خليفة بعينه، معتبرًا أن نجله لا يمتلك المؤهلات والأقدمية اللازمتين ليكون خيارًا مقبولًا لدى المؤسسة العسكرية، التي يتوقع أن يكون لها القول الفصل في اختيار الرئيس المقبل.


وحذر صايغ من التعامل مع برنامج السيسي باعتباره ضمانة لانتقال ديمقراطي للسلطة، مشيرًا إلى أن التاريخ السياسي المصري لا يقدم أدلة تُذكر على أن مرشحًا من خارج الدائرة الضيقة للحكم يمكن أن يحظى بفرصة حقيقية للفوز.


وأضاف أن المبادرة قد لا تتجاوز كونها استعراضًا سياسيًا يمكن التخلي عنه لاحقًا، بما يتيح للسيسي البحث عن وسيلة أخرى للبقاء في السلطة بعد عام 2030. كما قد يكون إعداد القيادة المقبلة محاولة للحفاظ على الحكم العسكري بصورة تحظى بقبول أكبر لدى الجمهورين المحلي والدولي.


ولم يستبعد صايغ أن يكون الإعلان انعكاسًا لتحديات سياسية لم يُكشف عنها، أو لخلافات داخل المؤسسة العسكرية بشأن مستقبل قيادة البلاد.


من جانبه، توقع تشارلز دبليو. دن، الباحث غير المقيم في المركز العربي بواشنطن العاصمة والدبلوماسي الأمريكي السابق، أن يدعم السيسي مسؤولًا كبيرًا عيّنه بنفسه، مشيرًا إلى اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز المخابرات العامة، باعتباره أحد المرشحين المحتملين.


ورأى دن أن مبادرة السيسي تعكس إصرارًا واضحًا على إبقاء المؤسسة العسكرية في صدارة الحياة السياسية والحكومية في مصر، بما يحد من فرص ظهور قيادة مدنية مستقلة أو أحزاب سياسية قادرة على المنافسة على السلطة.


وأضاف أن السيطرة على مؤسسات الدولة تتداخل مع مصالح سياسية واقتصادية عززت نفوذ جيل من القادة العسكريين، مرجحًا أن يكون الحفاظ على هذا النفوذ عاملًا رئيسيًا في عملية الخلافة.

 


توسيع صلاحيات الأكاديمية العسكرية وإعداد قادة المستقبل


منذ إعلان الجمهورية عام 1953، انحدر جميع رؤساء مصر تقريبًا من المؤسسة العسكرية، باستثناء الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي وصل إلى السلطة عبر الانتخابات عقب انتفاضة يناير 2011. لكن الجيش انقلب عليه في يوليو 2013 بقيادة السيسي، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع.


ويعكس إعلان السيسي عن «آليات جديدة للترشيح» اتساع دور الأكاديمية العسكرية المصرية، التي تضم عدة كليات، وأصبحت تضطلع بمسؤوليات متزايدة في تدريب وتأهيل العاملين لشغل مناصب في مؤسسات مدنية، بما فيها الجهات القضائية والدبلوماسية والحكومية.


وقال السيسي إن البرنامج سيستهدف أشخاصًا تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، ويحملون درجات الدكتوراه من جامعات مصرية وأجنبية مرموقة. وسيخضع المشاركون لدراسة وتدريب لمدة 30 شهرًا داخل الأكاديمية، قبل إتاحة الفرصة للمصريين لاختيار من يرونه مناسبًا للمناصب المطروحة.


وكان السيسي قد تحدث عام 2025 عن ضرورة خضوع الراغبين في العمل بمؤسسات الدولة لفترة من التدريب والتأهيل داخل الأكاديمية العسكرية.


وبرر السيسي آنذاك توسيع دور الأكاديمية بالحاجة إلى تحسين التنسيق بين مؤسسات الدولة، وحماية الشباب من الأفكار التي قال إنها تهدد استقرار مصر. واستشهد بأحداث انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، والاضطرابات التي أعقبتها.


ووفقًا للموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع المصرية، تُعد الأكاديمية العسكرية «مؤسسة تعليمية وتدريبية وطنية تهدف إلى إعداد ضباط يمتلكون المعرفة والانضباط والمهارات القيادية، وقادرين على العمل بكفاءة في ظروف متنوعة، من خلال منظومة تعليمية وتدريبية متطورة تواكب أحدث النظم العالمية».


وتضم الأكاديمية الكليات العسكرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، إلى جانب الكليات العسكرية التكنولوجية وأي معاهد أو كليات تعليمية مستقبلية.


وبرز تعيين وزير الدفاع المصري الحالي، الفريق أشرف زاهر، على نحو خاص، إذ تولى إدارة الأكاديمية العسكرية منذ تأسيسها عام 2022 وحتى فبراير 2026، قبل تعيينه وزيرًا للدفاع.


وحذر دن من أن خليفة السيسي المحتمل لن يواجه فقط تحدي الحفاظ على ولائه للسيسي ودائرته المقربة، بل سيتعين عليه أيضًا احتواء المعارضة الداخلية والحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تمثل ركيزة أساسية لنفوذ مصر الإقليمي.

 

https://alhurra.com/en/48344