تواجه محافظة تعز الواقعة جنوب غربي اليمن تصعيدا عسكريا خطيرا يتزامن مع استمرار الحصار الخانق والقيود المشددة المفروضة على حركة المدنيين، مما يفاقم المعاناة اليومية للسكان العزل الذين يواجهون ظروفا معيشية وإنسانية بالغة القسوة والتعقيد.
وتتصاعد حدة الأزمة الميدانية مع توثيق منظمات حقوقية محلية عشرات الجرائم والانتهاكات اليومية التي تطال الأحياء السكنية، وسط مطالبات دولية واسعة بضرورة التدخل العاجل لحماية الأبرياء وفتح الممرات الآمنة لضمان تدفق الاحتياجات الأساسية للمحافظة المحاصرة.
حصيلة الانتهاكات الحوثية بحق المدنيين
وفي هذا السياق، أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وهي منظمة غير حكومية، يوم السبت، عن مقتل طفلين وإصابة 3 مدنيين آخرين، بالإضافة إلى اختطاف 4 مواطنين على يد جماعة الحوثي في محافظة تعز جنوبي غرب البلاد.
وجاء ذلك الإعلان الحقوقي في بيان رسمي صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية سبأ، لتسليط الضوء على التدهور الأمني المتسارع والاعتداءات المستمرة التي تستهدف القرى والمناطق الآمنة داخل المحافظة المنكوبة.
علاوة على ذلك، أوضحت الشبكة الحقوقية في بيانها أنها وثقت 21 جريمة وانتهاكا ارتكبها الحوثيون خلال الـ 24 ساعة الماضية فقط، مما يعكس وتيرة العنف المتصاعدة ضد السكان المحليين العزل في مختلف أنحاء محافظة تعز.
وبالإضافة إلى تلك الانتهاكات، رصدت المنظمة إطلاق نحو 213 مقذوفا عسكريا سقطت على مناطق سكنية مأهولة، في تصعيد خطير تزامن مع استمرار الحصار والقيود الصارمة المفروضة على تنقلات المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية اللازمة لبقائهم.
ومن ناحية أخرى، أكدت الشبكة أن الاعتداءات الحوثية الأخيرة أسفرت عن مقتل طفلين، في جريمة مروعة هزت الرأي العام المحلي، وأثارت موجة من الاستياء جراء استمرار استهداف الفئات الأكثر ضعفا في مناطق النزاع المسلح.
وتفصيلا لتلك الجريمة، أشارت الشبكة إلى أن أحد الطفلين القتيلين يدعى عمار ياسر الشريحي، الذي اختطفته مليشيات الحوثي من داخل منزله الكائن في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل أن يعثر الأهالي عليه مقتولا بطريقة وحشية.
وفضلا عن مقتل الطفلين، تسببت الهجمات الحوثية في إصابة 3 مدنيين بجروح متفرقة، من بينهم امرأتان، حيث جرى نقلهم لتلقي الإسعافات الأولية في ظل نقص حاد في الإمكانيات الطبية اللازمة لعلاج مثل هذه الإصابات الخطيرة.
إلى جانب ذلك، أقدمت عناصر الجماعة على اختطاف 4 مواطنين مدنيين من مناطق متفرقة في المحافظة، واقتادتهم بالقوة إلى جهات مجهولة، وسط مخاوف حقوقية بالغة على سلامتهم الجسدية والنفسية في أماكن الاحتجاز السرية وغير القانونية.
كما اتهمت الشبكة الحقوقية مسلحي الحوثي بمداهمة ونهب 3 منازل مملوكة للمواطنين في مناطق الحجرية الواقعة جنوبي محافظة تعز، في انتهاك صارخ لحرمة المساكن الخاصة والممتلكات الشخصية التي يحميها القانون الدولي الإنساني.
وبالتزامن مع عمليات النهب، ألحقت الاعتداءات والقصف العشوائي أضرارا مادية جسيمة بـ 7 منازل أخرى تابعة للمدنيين، من بينها منزلان دمرا كليا، مما أدى إلى تشريد ساكنيها ومضاعفة أعداد النازحين الباحثين عن مأوى آمن.
نداءات استغاثة دولية ومطالبات إنسانية
وبناء على هذه التطورات، ناشدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لحماية سكان تعز من القصف المتكرر والحصار، خاصة في ظل تراجع قدرة السكان والمرافق الصحية على تحمل المزيد من تداعيات الأزمة.
وفي الإطار ذاته، طالبت المنظمة بضرورة الوقف الفوري للقصف العشوائي الذي يستهدف الأحياء السكنية، وتوفير الحماية الكاملة للمدنيين والمستشفيات والطواقم الطبية العاملة في الميدان، لضمان استمرار تقديم الخدمات العلاجية الطارئة للمصابين والمرضى في المحافظة.
كما شددت الشبكة على أهمية رفع الحصار الشامل والقيود التعسفية المفروضة على حركة السكان والإمدادات، وفتح الطرق المغلقة، وضمان المرور الآمن والمستدام للمواد الغذائية والأدوية والوقود وغاز الطهي لتلبية الاحتياجات اليومية الضرورية للمواطنين.
ولمواجهة التدهور الصحي، دعت المنظمة إلى توفير استجابة إنسانية وصحية عاجلة لدعم المستشفيات المحلية بمستلزمات الطوارئ وأدوية السرطان ومتطلبات غسيل الكلى، والتي توشك على النفاد التام نتيجة الإغلاق المستمر للمنافذ الحيوية المؤدية إلى المدينة.
إضافة إلى ما سبق، أكدت الشبكة ضرورة تيسير نقل الحالات الطبية الحرجة إلى مرافق صحية مؤهلة وقادرة على علاجها، لإنقاذ حياة العشرات من الجرحى والمرضى الذين يواجهون خطر الموت بسبب تدهور القطاع الصحي المحلي.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، طالبت الشبكة بتحرك ملموس من هيئة الأمم المتحدة والجهات الدولية المؤثرة لحماية سكان تعز، ودعم آليات التوثيق والتحقيق المستقلين في كافة الجرائم، ومساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وفي المقابل، التزمت جماعة الحوثي الصمت التام، حيث لم يصدر عنها أي تعليق رسمي للرد على اتهامات الشبكة الحقوقية حتى حلول الساعة 8:00 بتوقيت غرينتش، رغم فداحة الوقائع المذكورة في البيان الرسمي المنشور.
تطورات المعارك الميدانية وتداعيات الأزمة
وتأتي هذه الاتهامات الحقوقية في ظل مواجهات عسكرية متواصلة وعنيفة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي في محافظة تعز، حيث يسعى كل طرف إلى فرض سيطرته الميدانية وتوسيع نطاق نفوذه العسكري في المناطق الاستراتيجية بالمحافظة.
وعلى صعيد السيطرة الميدانية، تحكم القوات الحكومية قبضتها على مركز مدينة تعز، بما يشمل مديريات المظفر والقاهرة وصالة، بالإضافة إلى سيطرتها على أجزاء واسعة من مديريات التعزية وصبر الموادم والمسراخ المحيطة بمركز المدينة.
وفي الجهة المقابلة، حقق مسلحو الحوثي خلال الأسابيع القليلة الماضية تقدما عسكريا ملحوظا في عدة مناطق ريفية وساحلية بالمحافظة، مستغلين طبيعة التضاريس الجغرافية لتعزيز مواقعهم الهجومية وتضييق الخناق على القوات الحكومية والمدنيين المحاصرين.
ووفقا للمعطيات الميدانية المتاحة، شمل التقدم الحوثي الأخير مناطق حيوية في مديريات المخا والشمايتين والمعافر وجبل حبشي والوازعية، مما أثار مخاوف جدية من تغير خارطة السيطرة العسكرية وتهديد خطوط الإمداد الرئيسية في المحافظة.
وردا على هذا التقدم، أطلقت القوات الحكومية عملية عسكرية واسعة تحت مسمى فجر اليمن، وهي مستمرة منذ 5 أكتوبر الجاري، بهدف دحر المسلحين الحوثيين وتأمين المناطق السكنية والطرق الحيوية من الهجمات المتكررة.
وفي سياق هذه العملية، تسعى القوات الحكومية، مدعومة بإسناد جوي مكثف، إلى استعادة السيطرة على كافة المناطق التي سقطت في يد الحوثيين مؤخرا، وإعادة تأمين الريف والساحل لفك الارتباط بين جبهات القتال والمناطق الآهلة.
وعلى النقيض من ذلك، تحاول جماعة الحوثي جاهدة تثبيت مكاسبها الميدانية الأخيرة والدفاع عن المواقع التي تقدمت إليها، بالتزامن مع تشديد الحصار الخانق المفروض على مركز المدينة لإنهاك القوات الحكومية والضغط على الحاضنة الشعبية.
ونتيجة لاستمرار هذه المعارك الضارية، تتفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق في محافظة تعز، التي شهدت خلال الأيام الماضية سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين الأبرياء جراء القصف الحوثي المستمر على مناطق سكنية عدة.
ومما يزيد الأمر سوءا، يؤدي قطع الطريق الرئيسي الحيوي الرابط بين محافظة تعز ومدينة عدن ومحافظات يمنية أخرى إلى مضاعفة عزلة المدينة، وقطع الشريان الأساسي الذي يغذي الأسواق المحلية بالسلع والمواد التموينية الضرورية.
وبسبب هذا الانقطاع المستمر، تتزايد الضغوط الإنسانية والمعيشية على سكان المحافظة، الذين يعاني معظمهم من الفقر المدقع والبطالة، في ظل انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة تكاليف النقل الباهظة عبر الطرق البديلة الوعرة.
وجدير بالذكر أن اليمن يشهد حربا مدمرة منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر 2014، قبل أن يتدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس 2015، لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

