بعد ما فرط قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في مساحات بحرية شاسعة بشرق المتوسط نتيجة حسابات سياسية ضيقة، يعيد العرض التركي الأخير طرح معادلة استراتيجية تمنح مصر تفوقاً جغرافياً واقتصادياً تتجاهله السلطة الحالية.
تضع تصريحات وزير الدفاع التركي يشار غولر النظام المصري أمام اختبار حقيقي، إذ يكشف العرض عن إمكانية استعادة خمسة عشر ألف كيلومتر مربع ضاعت في تفاهمات سابقة منقوصة.
تجاهل العروض التركية وإهدار السيادة البحرية
ترتهن السياسة الخارجية في القاهرة لتحالفات إقليمية أضرت بالمصالح العليا، حيث استبدلت السلطة الحالية المكاسب الجغرافية الدائمة بتفاهمات سياسية مؤقتة مع أثينا لا تحقق عائداً اقتصادياً يوازي حجم التنازلات.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدولي الدكتور أيمن سلامة أن قواعد قانون البحار تمنح الدول حق تعديل مساراتها التفاوضية لتحقيق أقصى منفعة اقتصادية ممكنة في المناطق الخالصة.
علاوة على ذلك، فإن الاتفاق الموقع مع اليونان في أغسطس عام ألفين وعشرين، في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، قلص حصة مصر البحرية وحرمها من الامتداد الطبيعي نحو الشمال.
وبناءً على ذلك، يظهر التباين واضحاً بين اتفاقية تقتطع من الجرف القاري المصري لصالح الجزر اليونانية، وبين طرح تركي يعتمد مبدأ الإنصاف وطول السواحل القارية لتعظيم المساحات السيادية.
كما تفرض الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالبلاد ضرورة البحث عن موارد طاقة جديدة، غير أن غياب الرؤية الاستراتيجية يدفع صناع القرار إلى إهدار فرص غازية واعدة بالمتوسط.
ومن ناحية أخرى، تستغل أثينا هذا التردد الرسمي لتثبيت واقع بحري يخدم مصالحها الأوروبية، تاركة القاهرة خارج حسابات خطوط نقل الطاقة الكبرى التي يُعاد رسمها حالياً في المنطقة.
تحولات الموقف الليبي وانكشاف الحسابات المصرية
تغيرت موازين القوى الإقليمية بشكل متسارع عقب تحرك البرلمان الليبي نحو تفعيل الاتفاقية البحرية مع أنقرة، وهو ما أطاح بالرهانات المصرية التي استمرت منذ نوفمبر عام ألفين وتسعة عشر.
ومن جانبه، يوضح الباحث في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية الدكتور محمود خليل أن التحولات الليبية الأخيرة تعكس فشل الدبلوماسية المصرية في بناء مقاربة متوازنة تحفظ مصالحها غرباً وشمالاً.
إضافة إلى ذلك، فإن انتقال حلفاء القاهرة في شرق ليبيا إلى مربع التفاهم مع أنقرة يضع السياسة المصرية في عزلة إقليمية، ويكشف هشاشة التحالفات التي راهنت عليها طويلاً.
فضلاً عن ذلك، تراجعت قدرة القاهرة على التأثير في الملف الليبي نتيجة الاكتفاء بالحلول الأمنية الضيقة، مما سمح للقوى الإقليمية بإعادة ترتيب أوراق الطاقة والحدود البحرية دون انتظارها.
وبالتالي، لم يعد التمسك بالرفض المطلق للاتفاقية التركية الليبية مجدياً من الناحية الواقعية، بعدما تحولت إلى أمر واقع يحظى بغطاء تشريعي وسياسي من مختلف الأطراف الفاعلة داخل ليبيا.
وفي المقابل، تتحرك أنقرة بمرونة سياسية تجمع بين كسب الحليف الليبي وتقديم حوافز جغرافية للقاهرة، بينما تكتفي الإدارة المصرية بمواقف جامدة تفقدها أوراق الضغط التفاوضية تباعاً في شرق المتوسط.
ثروات الغاز ومستقبل الطاقة بشرق المتوسط
تتطلب التحديات الطاقية الراهنة التي تواجه مصر تحركاً عاجلاً لتأمين مناطق تنقيب إضافية، خاصة مع تراجع معدلات الإنتاج المحلي من الحقول القائمة وازدياد فاتورة استيراد الغاز المسال.
وفي هذا الإطار، يشير خبير اقتصاديات الطاقة الدكتور رمضان أبو العلا إلى أن إضافة خمسة عشر ألف كيلومتر مربع تعني إمكانية الوصول إلى تراكيب جيولوجية غنية بالاحتياطيات الغازية.
غير أن استمرار التباطؤ في حسم ملف الحدود البحرية وفق المصلحة الوطنية العليا يهدد بتحويل مصر من مركز إقليمي لتصدير الغاز إلى مستورد يعتمد على فائض دول الجوار.
وعلى صعيد متصل، تدرك الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال التنقيب أهمية الاستقرار القانوني للمناطق الاقتصادية، ولذلك تحجم عن ضخ استثمارات ضخمة في المربعات الحدودية غير المحسومة سياسياً.
لذلك، فإن تجاهل العرض التركي دون تقديم بديل يحفظ حقوق الأجيال القادمة يمثل تفريطاً في ثروات استراتيجية، تشتد حاجة الاقتصاد المصري إليها للخروج من نفق الديون المتراكمة.
وأخيراً، تبقى الخريطة البحرية في شرق المتوسط مفتوحة على تشكيلات جديدة، لن تنتظر طويلاً سلطة تغلب حسابات البقاء السياسي والتحالفات الظرفية على حساب السيادة الوطنية والثروات الاقتصادية.

