حددت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة جلسة 14 نوفمبر المقبل لنظر دعوى قضائية عاجلة ضد وزارة الكهرباء لوقف تطبيق الشريحة الموحدة على العدادات الكودية المؤقتة وإلغاء الرسوم الباهظة المفروضة مؤخراً على المشتركين.
وتأتي هذه المعركة القضائية الحاشدة لتعكس حالة الاحتقان الجماهيري المتزايد في الشارع المصري بعدما تفاقمت الأعباء المعيشية والاقتصادية جراء السياسات الحكومية المجحفة التي أقرتها الوزارة بحق ملايين الأسر محدودة الدخل في مختلف المحافظات.
المسار القضائي يلاحق قرارات الكهرباء
وفي هذا السياق، قيدت المحكمة النزاع برقم 54251 لسنة 80 شق عاجل، حيث يختصم مقيم الدعوى كبار المسؤولين في قطاع الطاقة لإلزامهم بالتراجع الفوري عن اللائحة السعرية الجديدة واستعادة منظومة المحاسبة العادلة للمواطنين.
وعلاوة على ذلك، شملت عريضة الدعوى اختصام كل من وزير الكهرباء والطاقة المتجددة ورئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، بجانب رئيس شركة جنوب الدلتا لتوزيع الكهرباء بصفتهم المسؤولين المباشرين عن القرارات التنفيذية المتنازع بشأنها أمام القضاء.
ومن هذا المنطلق، طالب مقيم الدعوى بوقف تنفيذ القرار السلبي المتمثل في امتناع جهة الإدارة عن محاسبته بنظام الشرائح الاستهلاكية المعتاد، والعودة إلى القواعد التنظيمية المعمول بها سابقاً لتحقيق الاستقرار المالي للمستهلكين.
وبناءً على ذلك، ركزت المطالب القضائية على وقف تنفيذ القرار الوزاري رقم 142 لسنة 2024 بصفة مستعجلة، لما يحمله من افتئات واضح على الحقوق المكتسبة للمشتركين الذين فوجئوا بتطبيق أعباء غير مسبوقة.
وفي سياق متصل، شددت الدعوى على ضرورة إعادة محاسبة العداد الكودي وفق نظام الشرائح المتدرجة السابقة، مع إلزام الوزارة بتعديل كافة الفواتير الصادرة بناءً على المنظومة المجحفة التي جرى فرضها دون سابق إنذار.
ومن جهتهم، طالب المحامون بإلزام جهة الإدارة برد كافة الفروق المالية المحصلة دون سند قانوني سليم منذ أبريل 2026 وحتى تاريخ صدور الحكم، وتحويل تلك المبالغ تلقائياً إلى أرصدة كروت الشحن الخاصة بالمتضررين.
إلى جانب ذلك، تضمنت عريضة الدعوى طلباً جوهرياً بإلزام الوزارة بصرف تعويض مادي وأدبي جابر للأضرار الجسيمة التي أصابت المواطنين وأربكت ميزانيات أسرهم جراء القرارات الفجائية المطبقة بحق أصحاب العدادات الكودية بالمنازل.
وعلى صعيد موازٍ، التمست الدعوى التصريح بالطعن أمام المحكمة الدستورية العليا لتقرير عدم دستورية المادة 10 من القانون رقم 187 لسنة 2023، لكونها تمثل الغطاء التشريعي الذي استندت إليه الوزارة في تمرير الزيادات.
وبالتوازي مع تلك المطالب، يرى خبراء القانون أن معركة مجلس الدولة تفتح الباب واسعاً لإسقاط القرارات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة، مؤكدين أن ساحات العدالة تظل الملاذ الأخير للدفاع عن حقوق الفئات الأكثر احتياجاً.
تداعيات الشريحة الموحدة على المواطنين
وتأسيساً على ما سبق، أحدث تطبيق القرار الوزاري رقم 142 لسنة 2024 تحولاً جذرياً في فلسفة محاسبة مستهلكي التيار الكهربائي، متجاهلاً التدرج الطبيعي في الاستهلاك الذي ظل سارياً لسنوات طويلة لحماية الطبقات الفقيرة.
ومن جانب آخر، ألغت الوزارة نظام الشرائح المتدرجة واستبدلته بنظام الشريحة الموحدة بسعر ثابت يبلغ 2.74 جنيه لكل كيلووات/ساعة، ليتم تطبيقه قسرياً من أول كيلووات مستهلك دون أي مراعاة لظروف المعيشة الصعبة.
وفي غضون ذلك، وجد ملايين المستهلكين من محدودي الدخل أنفسهم مجبرين على دفع مبالغ ضخمة تتجاوز طاقتهم المالية، خاصة بعد مساواتهم غير المنطقية بالمنشآت التجارية والمصانع الكبرى التي تحقق أرباحاً استثمارية طائلة.
وعلى نحو متصل، اعتبرت الأوساط الشعبية هذه التسعيرة عبئاً اقتصادياً فادحاً يهدد أمن الأسرة المصرية، في ظل موجات الغلاء المتتالية والسياسات التي ينتهجها رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي لتعظيم الجباية وتجريد الدعم من محتواه.
واستناداً إلى هذه المعطيات، فإن إلغاء الشرائح التصاعدية ضرب مبدأ العدالة الاجتماعية في مقتل، إذ حرم المواطن البسيط الذي يرشد استهلاكه من أي ميزة تشجيعية، وجعله يدفع نفس تكلفة كبار المستهلكين المترفين.
ومن زاوية أخرى، تؤكد الدعوى القضائية أن استناد الحكومة إلى نصوص تشريعية فضفاضة يمثل انتهاكاً لمبدأ تكافؤ الفرص، ويخلق تفرقة مجحفة بين المواطنين الخاضعين للعدادات القانونية ونظرائهم المجبرين على العدادات الكودية المؤقتة.
وجدير بالذكر أن المواطنين الذين لجأوا لتركيب تلك العدادات التزموا بجميع الإجراءات التنظيمية والرسوم المقررة رسمياً، لتفاجئهم الجهات التنفيذية بفرض تسعيرة تعسفية حولت حياتهم اليومية إلى معاناة متجددة مع كروت الشحن.
وفي تطور لافت، تفاقمت الضغوط على الأهالي بعد تآكل أرصدة شحن العدادات بسرعة غير مسبوقة، مما أسفر عن انقطاعات متكررة للتيار في المنازل لعجز الكثير من أرباب الأسر عن تحمل كلفة الشحن المرتفعة.
وإزاء هذا الوضع، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجات سخط عارمة طالبت بالتدخل الفوري لإلغاء التعرفة التعسفية، محذرة من تداعياتها الخطيرة على الاستقرار المجتمعي في ظل تدهور القدرة الشرائية لعموم المواطنين.
مبررات رسمية تقابل برفض متصاعد
ومن هذا الباب، تواصل وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة التمسك بموقفها الصلب، زاعمة أن نظام الشريحة الموحدة لا يستهدف المواطنين الملتزمين، وإنما يمثل أداة ردع حاسمة لمواجهة مخالفات البناء وسرقة التيار المستمرة.
وبحسب ما أوردته المصادر التنفيذية، ترى الوزارة أن العدادات الكودية ليست سنداً للملكية القانونية، وأن التسعيرة الجديدة وضعت خصيصاً كبديل لنظام الممارسة التقديري لتقليص الفاقد التجاري وتغطية تكاليف إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية.
ونتيجة لهذه الذرائع، اعتبر خبراء الإدارة المحلية أن تبريرات الوزارة تعاقب المواطن مرتين، الأولى بحرمانه من التقنين الرسمي لعقاره، والثانية بإلزامه بأسعار باهظة للتيار رغم قيامه بتركيب عداد استجابة للمبادرات الحكومية السابقة.
وبالمثل تسود حالة استياء شعبي بالغ جراء إلزام المواطنين بتحمل تكلفة استبدال العدادات القديمة بأخرى مسبقة الدفع، في خطوة فسرها الشارع بأنها محاولة لتعويض خسائر القطاع على حساب الجيوب الخاوية للمستهلكين.
ورداً على تلك التحركات، يرى ناشطون أن أزمات الكهرباء تحولت إلى مرآة تُظهر هشاشة الخدمات الأساسية، مستحضرين واقعة قيام أحد المرشحين باسترداد كابلات الكهرباء ومواسير المياه من قريته عقب سقوطه المباشر في الانتخابات.
وفي المقابل، تؤكد القوى المجتمعية أن حل مشكلات سرقة الكهرباء يجب ألا يكون عبر فرض عقوبات جماعية على الفقراء، بل من خلال تطوير شبكات النقل والتوزيع وتحديث منظومات التفتيش والمراقبة الصارمة لضبط الهدر.
وعقب هذه القرارات، يترقب ملايين المشتركين موعد جلسة 14 نوفمبر بأمل كبير، متطلعين إلى صدور حكم قضائي تاريخي يعيد الأمور إلى نصابها الدستوري ويلغي الفروق التراكمية المفروضة بأثر رجعي على كاهلهم.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن الحكم المنتظر لن يقتصر أثره على صاحب الدعوى بمفرده، بل سيشكل سابقة قضائية فارقة تمهد الطريق لإنصاف ملايين الأسر المصرية العالقة في دوامة العدادات الكودية المجحفة.

