تواجه آلاف الأسر المصرية حالة من التشتت والارتباك غير المسبوق بعد وضع وزارة التربية والتعليم «نظام المنازل» في مهب الريح لطلاب الصف الأول الثانوي خلال العام الدراسي 2026-2027 دون إعلان رسمي واضح يحسم الجدل.
وتتصاعد وتيرة الغضب الشعبي مع اقتراب شهر نوفمبر دون فتح باب القيد المعتاد، بينما تتخبط اللجان الفنية بالوزارة بين تطبيق نظام البكالوريا المستحدث وفرض الحضور الإجباري متجاهلة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي تعصف بالمواطنين.
تخبط إداري يهدد مستقبل الطلاب
ومن ناحية أخرى، تمتنع الإدارات التعليمية في مختلف المحافظات عن استلام ملفات الطلاب الجدد الراغبين في الالتحاق بنظام المنازل، مستندة إلى تعليمات شفهية غامضة تتحدث عن إلغاء هذا المسار التعليمي بشكل مفاجئ وغير مدروس.
وعلاوة على ذلك، يصطدم الطلاب العائدون من الخارج الذين أتموا دراستهم بنظام «أبناؤنا في الخارج» بجدار من التعنت الإداري، حيث ترفض المدارس قيدهم وتتركهم معلقين في فراغ قانوني يهدد بضياع عام دراسي كامل من أعمارهم.
وبالإضافة إلى ما سبق، تستمر لجان الوزارة في عقد اجتماعات مغلقة لبحث جدوى النظام دون مراعاة لعامل الوقت الحاسم، مما يبرهن على غياب الرؤية التخطيطية المسبقة لدى صناع القرار في حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن إدارة الملف التعليمي بقرارات فوقية متعجلة تدمر استقرار الأسر وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه دستوريا في مقتل لصالح سياسات الجباية والخصخصة.
ويضيف الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية أن حرمان طلاب الصف الأول الثانوي من حق القيد بنظام المنازل يعكس رغبة الوزارة في إجبار الجميع على مسارات مكلفة ماديا لا تتناسب مع القدرات المالية المتآكلة للطبقة المتوسطة والفقيرة.
وفضلا عن ذلك، يظل مصير هذا الملف الحيوي مرهونا بتوقيع الوزير محمد عبد اللطيف شخصيا، مما يعطل مصالح آلاف المواطنين الذين ينتظرون حسم موقف أبنائهم منذ أواخر شهر أكتوبر الماضي دون جدوى أو استجابة.
ومن جهة ثانية، تتذرع القيادات التعليمية بضرورة تحقيق الانضباط المدرسي وتطبيق معايير التطوير الهيكلي الجديد، بينما تغفل حقيقة أن المدارس الحكومية تعاني أصلا من تكدس الفصول وعجز المعلمين وانهيار البنية التحتية الأساسية في معظم المحافظات.
وبالتالي، يتحول شعار التطوير التعليمي إلى أداة للضغط على أولياء الأمور ومحاصرة الخيارات المتاحة أمامهم، بدلا من أن يكون وسيلة لتيسير العملية التعليمية واستيعاب كافة الشرائح الطلابية بمختلف ظروفها المعيشية والاجتماعية.
ازدواجية المعايير وتناقض القرارات الوزارية
وعلى صعيد متصل، يبرز التناقض الصارخ في سياسات الوزارة بعد إقرارها الرسمي باستمرار نظام المنازل لطلاب الصف الثاني الثانوي للعام الدراسي 2026-2027، مع تجميد نفس الحق لطلاب الصف الأول الثانوي دون مبرر تربوي أو قانوني منطقي.
ووفقا للضوابط المعتمدة، يؤدي طلاب الصف الثاني الثانوي امتحاناتهم ورقيا بنسبة 100% من الدرجة الإجمالية دون إخضاعهم لمنظومة «التابلت» أو أعمال السنة، في حين يحرم زملاؤهم الأصغر سنا من هذه القواعد المستقرة منذ عقود.
وبناء على هذا التفاوت، تتسع فجوة عدم الثقة بين المجتمع والمنظومة التعليمية التي تغير قواعدها كل بضعة أشهر، مما يجعل التخطيط الأسري لمستقبل الأبناء مهمة مستحيلة في ظل غياب المؤسسية واستقرار التشريعات المنظمة للتعليم.
وفي إطار متصل، يوضح الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن هذا التضارب الإداري يولد ضغوطا نفسية وعصبية هائلة على الطلاب وأسرهم، ويؤدي إلى تراجع الدافعية نحو التعلم بسبب الخوف المستمر من المجهول.
ويشير أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس إلى أن ربط مصير الطالب بتعديلات فجائية مثل نظام البكالوريا دون فترة انتقالية كافية يربك الحسابات الذهنية للمراهقين، ويجعلهم ضحية لتجارب غير ناضجة تفتقر إلى التمهيد العلمي السليم.
وكذلك، تتجاهل الوزارة أن نظام المنازل يمثل طوق نجاة لآلاف الطلاب الذين يعانون من ظروف صحية أو اجتماعية أو اقتصادية تمنعهم من الانتظام اليومي، وأن إلغاءه يعني دفعهم قسرا نحو التسرب الكامل من التعليم قبل الجامعي.
وبالمثل، تفرض بعض المدارس رسوما إضافية وأعباء مالية غير قانونية مثل تحصيل 200 جنيه لاستخراج الشهادات، مما يثبت أن الهدف الحقيقي وراء تقليص الأنظمة المرنة هو تعظيم الموارد المالية للوزارة على حساب جيوب المواطنين المنهكة.
ولذلك، يرفض أولياء الأمور المبررات الرسمية التي تربط بين إلغاء المنازل وجودة التقييم، مؤكدين أن الوزارة عجزت عن توفير بيئة تكنولوجية آمنة ومستقرة لطلاب النظامي أنفسهم قبل أن تفكر في إلغاء الامتحانات الورقية البديلة.
أعباء مالية واغتراب داخل الوطن
ومن زاوية أخرى، يضاعف التأخر في حسم ملف المنازل من الأعباء الاقتصادية الملقاة على كاهل الأسر المصرية، التي تجد نفسها مضطرة للبحث عن مدارس خاصة أو مسارات بديلة تفوق قدراتها المادية المحدودة في ظل التضخم الراهن.
علاوة على ذلك، يعيش أولياء الأمور حالة من القلق اليومي بسبب فوات المواعيد الرسمية للتسجيل التي تبدأ عادة في شهر أكتوبر وتنتهي في شهر نوفمبر، مما يضعهم تحت رحمة القرارات الاستثنائية والغرامات الإدارية المحتملة.
وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، أن السياسات التعليمية التي تغفل البعد الاجتماعي والاقتصادي للأسر محكوم عليها بالفشل، لأنها تفصل المدرسة عن واقع المجتمع واحتياجاته الحقيقية.
ويشدد أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس على أن أي تطوير هيكلي يجب أن يبدأ بإصلاح البيئة المدرسية وتوفير المعلم المؤهل، وليس بمصادرة الحقوق التعليمية المكتسبة للطلاب أو تضييق الخناق على الفئات غير القادرة.
ومن ناحية ثانية، يواجه الطلاب العائدون من الخارج صدمة حقيقية عند محاولة دمجهم في النظام التعليمي المحلي، حيث تتحول الإجراءات البيروقراطية المعقدة إلى عقاب جماعي للأسر التي اضطرت للعودة إلى البلاد بسبب الظروف الإقليمية والاقتصادية.
وإلى جانب ذلك، يخشى الطلاب من ضياع حقهم الأصيل في الالتحاق بالكليات الجامعية البالغ عددها في مصر نحو 131 جامعة و182 معهدا معتمدا، إذا ما استمرت الوزارة في تعطيل قيدهم الرسمي بالمرحلة الثانوية حتى انتهاء الفصل الدراسي الأول.
وبالإضافة إلى هذا التعنت، تغيب الشفافية تماما عن أروقة الوزارة التي تكتفي بتسريبات إعلامية متناقضة لجس نبض الشارع، بدلا من إصدار بيان رسمي حاسم يحدد القواعد المنظمة للعام الدراسي 2026-2027 بوضوح ومسؤولية.
ونتيجة لتلك الممارسات، تتزايد الدعوات الشعبية والتربوية لوقف العبث بمستقبل الأجيال الجديدة، وإلزام وزارة التربية والتعليم بفتح باب التسجيل فورا لطلاب الصف الأول الثانوي بنظام المنازل بنفس القواعد المطبقة على زملائهم بالصف الثاني.
وفي نهاية المطاف، يبقى وضع «نظام المنازل» في مهب الريح شاهدا جديدا على أزمة الإدارة في قطاع التعليم، حيث يدفع الطلاب وأولياء الأمور وحدهم فاتورة القرارات المرتبكة والتجارب المستمرة التي لا تراعي مصلحة الوطن والمواطن.

