قررت نيابة أمن الدولة العليا إخلاء سبيل لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع مدى مصر، بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه، على ذمة التحقيقات في القضية رقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بعد استجوابها بشأن اتهامات تتعلق بإدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة في الداخل والخارج، بحسب ما أفاد به محاميها نبيه الجنادي.

 

ويأتي القرار بعد جلسة تحقيق استمرت عدة ساعات، تناولت طبيعة عمل الموقع وتأسيسه ومصادر تمويله، إلى جانب تقرير صحفي نشره في أكتوبر الجاري عن احتجاجات داخل السجون وتغريب سجناء عقب تأجيل إجراءات مرتبطة بقانون الإجراءات الجنائية، وفق ما نقله محامون حضروا التحقيق.

 

وتفتح القضية الجديدة ملف الملاحقات القانونية التي واجهها موقع مدى مصر وصحفيون يعملون به خلال السنوات الماضية، في وقت تتواصل فيه الانتقادات الحقوقية بشأن أوضاع حرية الصحافة في مصر، بالتزامن مع احتجاز صحفيين من منصة «متصدقش» والتحقيق مع صحفيين آخرين على خلفية عملهم المهني.

 

تحقيق استمر عدة ساعات


قال المحامي الحقوقي نبيه الجنادي، الذي حضر التحقيق مع لينا عطا الله، إن نيابة أمن الدولة العليا استجوبت رئيسة تحرير مدى مصر في القضية الجديدة، التي تحمل رقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، قبل أن تقرر إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه.

 

وتركزت أسئلة التحقيق، بحسب الجنادي، على إدارة الموقع وطبيعة نشاطه، كما تناولت تقريرًا نشره مدى مصر في 13 أكتوبر الجاري بعنوان «موجة احتجاجات في السجون وتغريب بعد تأجيل الإجراءات الجنائية».

 

أسئلة عن تأسيس مدى مصر


من جانبها، قالت المحامية الحقوقية راجية عمران، التي حضرت التحقيق، إن المحقق بدأ بطرح أسئلة على لينا عطا الله بشأن تاريخ تأسيس موقع مدى مصر، وطبيعة تمويله، ومجلس إدارة الشركة المالكة له.

 

وبحسب روايتها، قدمت عطا الله نسخة من السجل التجاري للشركة، تتضمن البيانات المتعلقة بها، ردًا على الأسئلة التي تناولت الهيكل القانوني والإداري للموقع.

 

وتسلط هذه الأسئلة الضوء على الجوانب القانونية والتنظيمية لعمل المؤسسة الصحفية، في ظل استمرار الجدل بشأن وضع التراخيص الخاصة بالمواقع الإخبارية المستقلة في مصر.

 

ووفق ما نقلته منظمة العفو الدولية في بيان بشأن القضية، يسعى موقع مدى مصر منذ عام 2018 للحصول على ترخيص، دون أن يتمكن من الحصول عليه حتى الآن.

 

سادس قضية خلال 6 سنوات


تُعد القضية الجديدة السادسة التي تطاول موقع مدى مصر ورئيسة تحريره وصحفيين يعملون به خلال السنوات الست الماضية، وفق ما أورده الموقع في تغطيته لتطورات القضية.

 

وكانت إحدى القضايا السابقة قد شهدت استدعاء لينا عطا الله للتحقيق في أغسطس 2025، على خلفية تقرير صحفي تناول شكاوى سجناء من تعرضهم لانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، بينها سجن بدر 3.

 

ووجهت النيابة إليها آنذاك اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع دون ترخيص، استنادًا إلى تحريات الأمن الوطني، وفق المعلومات المنشورة عن القضية السابقة.

 

وقررت النيابة إخلاء سبيلها وقتها بكفالة مالية قدرها 30 ألف جنيه، على ذمة التحقيقات في القضية التي حملت رقم 6185 لسنة 2025 حصر أمن دولة عليا، بحسب ما أوردته تغطية صحفية للواقعة.

 

وتُظهر مقارنة الكفالتين ارتفاع المبلغ المطلوب في القضية الجديدة إلى 100 ألف جنيه، مقابل 30 ألف جنيه في القضية السابقة، بزيادة قدرها 70 ألف جنيه.

 

كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى استمرار فتح خمس قضايا جنائية تتعلق بعطا الله والعاملين في مدى مصر، وهو ما يعكس تعدد الملفات القانونية المرتبطة بالموقع، بحسب المنظمة.

 

انتقادات حقوقية للملاحقات القضائية


أثارت القضية الجديدة انتقادات من منظمة العفو الدولية، التي اعتبرت استدعاء رئيسة تحرير مدى مصر امتدادًا لما وصفته بالمضايقات القضائية التي تستهدف الصحفيين المستقلين.

 

وقالت ياسمين أحمد، المديرة الأولى المعنية بالتأثير الإقليمي في المنظمة، إن استهداف عطا الله، بحسب تعبيرها، يرتبط بالعمل الصحفي الذي يقدمه فريق الموقع، ودعت السلطات المصرية إلى وقف الملاحقات القضائية بحق رئيسة التحرير والعاملين بالمؤسسة.

 

وطالبت المنظمة بإنهاء ما وصفته بالضغوط على الإعلام المستقل، والسماح للصحفيين بإجراء التحقيقات الصحفية والنشر دون ترهيب أو مضايقات أو خوف من الانتقام.

 

وتستند هذه الانتقادات إلى تكرار التحقيقات والقضايا المرتبطة بعمل الموقع، إلى جانب استمرار النزاع بشأن وضعه القانوني والتراخيص اللازمة لممارسة نشاطه الصحفي.

 

قضية صحفيي متصدقش


يتزامن التحقيق مع لينا عطا الله مع تطورات أخرى تتعلق بعمل الصحفيين في مصر، أبرزها احتجاز ستة صحفيين من منصة «متصدقش»، وفق ما أعلنته المنصة وممثلها القانوني، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

 

وكانت المبادرة قد أعلنت القبض على الصحفيين الستة خلال حملة أمنية، وصفها مديرها حسام بهجت بأنها غير مسبوقة في تاريخ الصحافة، بحسب ما نقلته التغطيات المنشورة بشأن الواقعة.

 

وطالبت منظمة العفو الدولية بالإفراج عن الصحفيين الستة المحتجزين احتياطيًا على ذمة التحقيقات، معتبرة أن قضيتهم تأتي ضمن سياق أوسع من المخاوف المتعلقة بحرية العمل الصحفي.

 

كما أشارت المنظمة إلى التحقيق مع الصحفية رشا عزب في 5 أكتوبر الجاري، على خلفية منشور انتقدت فيه وزارة الداخلية، قبل أن تقرر السلطات إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه.

 

مصر في مؤشر حرية الصحافة


تأتي القضية أيضًا في ظل ترتيب مصر المتأخر في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، إذ احتلت البلاد المركز 169 من أصل 180 دولة، وفق التصنيف المنشور عن المنظمة.

 

ويقدم المؤشر تقييمًا لبيئة العمل الصحفي في الدول المختلفة، استنادًا إلى مجموعة من المعايير المرتبطة بحرية الإعلام وأوضاع الصحفيين والتحديات القانونية والسياسية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية.

 

وكانت نقابة الصحفيين قد انتقدت، في مارس 2024، استمرار حجب مواقع صحفية، من بينها مدى مصر وموقع «المنصة»، بحسب تقارير صحفية تناولت موقف النقابة.

 

ووفق المعلومات المنشورة بشأن حجب «المنصة»، تعرض الموقع للحجب عدة مرات، كان آخرها في يوليو 2022، بينما رُفع الحجب عن مواقع أخرى، من بينها درب والسلطة الرابعة وذات مصر ومصر 360.

 

ويظل حجب المواقع من الملفات المطروحة في النقاش بشأن حرية تداول المعلومات، إذ يحد من وصول الجمهور إلى بعض المحتويات الصحفية عبر الإنترنت، ويؤثر على قدرة المؤسسات الإعلامية على الوصول إلى قرائها.

 

مطالب بوقف الملاحقات


دعت منظمة العفو الدولية السلطات إلى وقف الإجراءات التي وصفتها بالمضايقات القضائية بحق لينا عطا الله وفريق مدى مصر، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين من منصة متصدقش.

 

وتتزامن هذه المطالب مع تأكيدات رسمية بشأن الاستماع إلى النقد ومناقشته؛ إذ نقلت المنظمة عن كلمة لعبد الفتاح السيسي خلال منتدى مصر 2026 قوله إن الحكومة «تسمع وتناقش وتقبل أي نقد».

 

ويضع التباين بين هذه التصريحات والانتقادات الحقوقية المتعلقة بالقضايا الصحفية ملف حرية التعبير أمام تساؤلات بشأن الضمانات العملية التي تكفل للصحفيين أداء عملهم، خصوصًا عند تناول قضايا السجون وأداء المؤسسات الحكومية.