تواجه مراكز العلاج الطبيعي في مصر حملة تضييق غير مسبوقة، إثر تلقي أصحابها إنذارات رسمية مفاجئة من الإدارة العامة للحماية المدنية، تهددهم بالإغلاق الإداري الفوري وقطع أرزاقهم.
وتفرض هذه القرارات المفاجئة أعباء مالية وإجرائية قاسية على الأطباء، مما يعرقل تقديم الخدمات الصحية للمواطنين ويزيد من معاناة القطاع الطبي الخاص الذي يواجه تحديات اقتصادية متلاحقة.
اشتراطات هندسية تعجيزية تستنزف أخصائي العلاج الطبيعي
وتطالب الإنذارات الرسمية أصحاب المراكز بضرورة استخراج شهادات دفاع مدني كشرط أساسي لترخيص المنشآت الجديدة أو تجديد القائم منها، في خطوة مفاجئة لم يسبق تطبيقها في هذا القطاع.
علاوة على ذلك، تستلزم هذه الاشتراطات إجراء تعديلات إنشائية وهندسية معقدة للغاية، لا تتناسب مطلقا مع طبيعة ومساحات الشقق السكنية التي تضم الغالبية العظمى من هذه المراكز العلاجية.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور سامي عبد الحميد، استشاري العلاج الطبيعي وخبير إدارة المنشآت الطبية، أن إقحام هذه الشروط الهندسية يهدف لتعطيل العمل واستنزاف موارد الأطباء المالية.
كما يوضح عبد الحميد أن طبيعة عمل مراكز العلاج الطبيعي لا تتضمن أي مواد خطرة أو قابلة للاشتعال تستدعي مثل هذه الإجراءات المعقدة التي تطبق عادة على المصانع الكبرى.
وبناء على ذلك، تكتفي الضوابط المعتمدة تاريخيا بتوفير عدد كاف من طفايات الحريق يتناسب مع مساحة كل مركز، وهو الإجراء الوقائي الذي يلتزم به جميع الأطباء بشكل كامل.
ومن جهة أخرى، تغيب هذه الشروط التعجيزية تماما عن منظومة تراخيص العلاج الطبيعي المعتمدة لدى وزارة الصحة والسكان طوال العقود الماضية، مما يجعل فرضها الآن أمرا يفتقر للمنطق.
فضلا عن ذلك، يعاني أصحاب المراكز من ارتفاع تكاليف التشغيل وأسعار الأجهزة الطبية ومستلزماتها، لتأتي هذه الرسوم الإضافية كضربة قاضية تهدد استمرارهم في تقديم الرعاية الصحية للمرضى.
ونتيجة لهذه الضغوط، يجد مئات الأطباء أنفسهم أمام خيارين كلاهما مر، إما الرضوخ لأعباء مالية تفوق قدراتهم، أو مواجهة شبح الإغلاق الإداري والتشريد المهني في ظل أزمة اقتصادية طاحنة.
مخالفة صريحة لقوانين التراخيص الطبية
ومن الناحية القانونية، تصطدم تحركات إدارة الحماية المدنية بشكل مباشر مع التشريعات المنظمة للقطاع الصحي، والتي تحدد بدقة الجهات المنوط بها وضع معايير الترخيص والرقابة على المنشآت الطبية.
ولهذا السبب، سارعت النقابة العامة للعلاج الطبيعي إلى التدخل لوقف هذه الممارسات، حيث وجه النقيب العام خطابا عاجلا إلى وكيل وزارة الصحة بمحافظة الجيزة يطالب بتجميد هذه الإجراءات فورا.
وبالإضافة إلى ذلك، تخضع مراكز العلاج الطبيعي لأحكام القانون رقم 3 لسنة 1985 الخاص بمزاولة المهنة، وقانون تنظيم المنشآت الطبية رقم 51 لسنة 1981، اللذين يرسمان الإطار القانوني للترخيص.
واستنادا إلى المادة الخامسة من القانون، تنفرد اللجنة الدائمة للتراخيص المشكلة بوزارة الصحة بسلطة وضع الاشتراطات اللازمة، مما يجعل تدخل أي جهة أخرى اعتداء صريحا على اختصاصاتها القانونية.
وفي هذا الصدد، يشير المستشار القانوني محمود فوزي، الخبير في التشريعات الصحية والنقابية، إلى أن فرض شروط جديدة من خارج لائحة وزارة الصحة يمثل التفافا غير قانوني على التشريعات السارية.
ويضيف فوزي أن اللائحة التنفيذية الصادرة عن الوزارة تخلو تماما من أي نص يلزم الأطباء باستخراج شهادة دفاع مدني كمسوغ للترخيص، مما يبطل كافة الإنذارات الموجهة لأصحاب المراكز.
ورغم هذا الوضوح القانوني، تصر الجهات التنفيذية على ملاحقة الأطباء بإنذارات تهدد بقطع أرزاقهم، متجاهلة التنسيق المؤسسي المفترض مع لجنة التراخيص بوزارة الصحة لضمان استقرار المنظومة العلاجية.
وترتيبا على ذلك، يعيش أصحاب المراكز حالة من الترقب والقلق الشديدين في انتظار رد حاسم من مديرية الشؤون الصحية بالجيزة، وسط مطالبات بضرورة احترام القانون ووقف هذه الملاحقات الإدارية.
فوضى التعليم الخاص وتدمير الاستثمار
وعلى صعيد متصل، تأتي هذه الأزمة الإدارية لتعمق الجراح الغائرة التي يعاني منها القطاع، نتيجة السياسات التعليمية غير المدروسة التي أغرقت سوق العمل بأعداد هائلة من الخريجين دون تخطيط.
حيث يشهد القطاع توسعا عشوائيا في افتتاح الكليات، بعد أن تجاوز عدد كليات العلاج الطبيعي في مصر 80 كلية بين حكومية وخاصة وأهلية، تضخ آلاف الخريجين سنويا في سوق متشبع.
أضف إلى ذلك، أن الإحصاءات النقابية تشير إلى وجود فائض في خريجي العلاج الطبيعي يصل إلى 110%، وهو ما دفع النقابة للمطالبة مرارا بإغلاق الكليات الخاصة لحل أزمة التكليف المتفاقمة.
ومع انسداد أفق التعيين الحكومي، يتجه آلاف الخريجين الشباب إلى استثمار مدخرات أسرهم في افتتاح عيادات ومراكز خاصة، هربا من البطالة وبحثا عن فرصة عمل كريمة تضمن لهم الاستقرار.
وهنا يؤكد الدكتور هاني عبد الجواد، الخبير في اقتصاديات الصحة، أن محاصرة هذه المراكز الناشئة باشتراطات الحماية المدنية يقضي على الملاذ الأخير لشباب الأطباء ويدمر الاستثمارات الصغيرة في القطاع التأهيلي.
كما يوضح عبد الجواد أن السياسات الحالية تتسم بالتناقض الصارخ، فبينما تتوسع في منح تراخيص الكليات الخاصة لجني الأرباح، تقوم في المقابل بخنق الخريجين عند محاولتهم دخول سوق العمل الحر.
علاوة على ما سبق، يعاني القطاع من فوضى عارمة بسبب صراع الصلاحيات مع كيانات موازية مثل نقابة الإصابات والتأهيل، مما أشعل حرب بلاغات مستمرة تستنزف طاقات الأطباء وتشتت جهودهم المهنية.
وبدلا من تدخل الجهات المعنية لحماية المهنة من الدخلاء وتنظيم سوق العمل، تفاجأ الأطباء بتوجيه سهام الرقابة والتضييق نحو المراكز المرخصة التي تعمل بشكل قانوني وتلتزم بمعايير وزارة الصحة.
وهكذا تتكامل حلقات الأزمة بين فوضى التعليم الخاص وغياب التكليف الحكومي، لتنتهي بفرض قيود إدارية ومالية جديدة تهدد بإغلاق آلاف المنشآت الطبية وتشريد العاملين فيها بمختلف المحافظات.
وفي نهاية المطاف، يدفع المريض المصري الثمن الأكبر لهذه السياسات المتخبطة، حيث يؤدي التضييق على المراكز الطبية إلى تقليص الخدمات التأهيلية المتاحة ورفع تكلفتها على المواطنين في ظل ظروف معيشية قاسية.

