أرجأ مجلس النواب المصري التصويت على تفويض عسكري لدعم السعودية إلى 26 أكتوبر، بعدما طلب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي التحرك دفاعًا عن المملكة، بينما بقيت حدود المشاركة وتكلفتها موضع أسئلة معلقة.
وأعاد طلب التفويض فتح ملف استخدام القوات المصرية خارج الحدود، وسط مخاوف من تحويل التضامن مع الرياض إلى التزام قتالي متسع، تتحمل البلاد أعباءه بينما تبقى أهدافه وضمانات إنهائه غائبة عن النقاش العام.
تفويض غامض يهدد استقلال القرار
ففي تصريحاته يوم 17 أكتوبر، ربط السيسي الاستعداد للتحرك بتوجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، مستدعيًا البرلمان لمنح الموافقة إذا طلبت المملكة المساندة المصرية.
وبذلك، يبرز سؤال السيادة قبل سؤال القدرة العسكرية، إذ يفترض أن تصدر قرارات انتشار الجيش عن تقدير مصري مستقل، يحدد المصلحة والضرورة والمخاطر، دون اختزالها في الاستجابة لطلب الحليف.
وفي هذا السياق، اعترض فريدي البياضي، عضو الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، على منح التفويض دون معلومات كافية، مشيرًا إلى غموض المهام والمعايير والتكلفة المادية والبشرية للمشاركة المحتملة.
ومن ثم، فإن المطالبة بتحديد المهمة ليست تعطيلًا للدفاع عن السعودية، وإنما الحد الأدنى لمساءلة سلطة تطلب صلاحية تعريض الجنود للخطر، قبل تقديم إجابات تتيح تقييم الضرورة وحدود الالتزام.
وعلى المستوى الدستوري، تشترط المادة 152 أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب قبل إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة.
لكن استيفاء عدد الأصوات لا يغني عن مضمون المناقشة، فالموافقة التي تسبق معرفة الأهداف والتكلفة وخطة الانسحاب تفرغ الرقابة من وظيفتها، وتمنح السلطة مساحة أوسع لتحميل البلاد التزامات يصعب تداركها.
وفضلًا عن ذلك، لا يكفي وصف المشاركة بأنها دفاعية لحسم الجدل، إذ قد تشمل حماية منشآت أو اعتراض هجمات أو تأمين سفن، ولكل مهمة قواعد اشتباك واحتمالات تصعيد مختلفة.
وبالمقابل، فإن الدفاع عن الأراضي السعودية لا يساوي دخول الأراضي اليمنية، ولا توجد في التصريحات المعلنة وحدها أدلة تكفي لإعلان أن القاهرة حسمت إرسال قوات برية إلى اليمن فعلًا.
ولهذا، تصبح الضمانات المكتوبة أكثر أهمية من التطمينات، وفي مقدمتها نطاق الانتشار ومدته وتسلسل القيادة وشروط توسيع المهمة، حتى لا يتحول قرار محدود إلى بوابة لعمليات تتغير أهدافها تدريجيًا.
وأمام هذه الفجوة، يقع العبء على السيسي وحكومته لتبرير أي مشاركة، فالجنود ليسوا رصيدًا متاحًا لتثبيت التحالفات، والبرلمان مطالب بفحص القرار قبل الموافقة عليه، ومتابعة تنفيذه ومراجعة أي توسع لاحق.
جبال اليمن تفتح أبواب الاستنزاف
وفي الجانب العسكري، تبدأ المغامرة عندما تفترض السلطة أن إضافة قوات نظامية كبيرة ستحسم مواجهة لم تحسمها سنوات القتال، دون تفسير واضح لما ستغيره المشاركة المصرية في طبيعة الصراع.
وفي هذا الإطار، قال أندرياس كريج، المحاضر في الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، إن دخول جيش عربي تقليدي إضافي لن يحل مشكلة الحوثيين فجأة، بالنظر إلى وسائل قتالهم وجغرافيا انتشارهم.
وبناءً على هذا التقدير، فإن قياس فرص النجاح بحجم الجيش أو عدد الطائرات يضلل حسابات التدخل، لأن الخصم يستطيع تجنب المواجهة المباشرة، وإطالة القتال، وفرض أعباء مستمرة على القوات المنتشرة.
كما أن الانتشار البري المحتمل يفرض حماية مواقع وخطوط إمداد وطرق حركة، ما قد يدفع إلى طلب تعزيزات متتابعة، فتتوسع المهمة لحماية وجود عسكري بدأ أصلًا تحت عنوان محدود.
ومن هنا، يعود درس حرب الستينيات بوصفه تحذيرًا من توسع الالتزامات، فقد تحول التدخل المصري في اليمن إلى وجود طويل ومكلف، تجاوز بسعته وتعقيداته حسابات الدخول الأولى إلى الميدان.
غير أن استدعاء التجربة لا يبرر اختزال هزيمة يونيو 1967 في جبهة اليمن وحدها، وإنما يفرض مساءلة القرار الذي يستهلك الموارد والجاهزية دون أهداف قابلة للقياس أو نهاية سياسية واضحة.
وبالمثل، فإن السيطرة على موقع ساحلي لا تعني إسكات الصواريخ والمسيّرات، وقد يصبح الاحتفاظ بالموقع عبئًا دائمًا إذا استمر التهديد من مناطق أخرى، فتزداد المطالب العسكرية دون نتيجة حاسمة.
وعليه، يجب أن تسبق أي مشاركة إجابة عن معيار النجاح، وهل يتحقق بخفض الهجمات أم حماية منشآت بعينها أم فرض تسوية، لأن خلط هذه الأهداف يسمح بتمديد القتال كلما تعثر.
وفوق ذلك، لا يصح افتراض أن تقاسم التكلفة مع الحلفاء يلغي الخسارة المصرية، فالتمويل لا يعوض الأرواح، ولا يعيد تلقائيًا الجاهزية المستهلكة، ولا يضمن بقاء المصالح السياسية متطابقة طوال الحرب.
ولذلك، فإن رفض الانزلاق البري يبدأ برفض الغموض، فكل التزام يحتاج حدودًا يمكن مراجعتها، وقرار الانسحاب يجب أن يبقى متاحًا للقاهرة، دون رهنه بتحقيق أهداف تتبدل خارج حساباتها الوطنية.
قناة السويس تدفع ثمن التصعيد
وبالتوازي، تتصدر حماية الملاحة مبررات التحرك المصري، لكن تحويل القاهرة إلى طرف مقاتل قد يضيف تهديدات جديدة إلى الممرات التي تريد تأمينها، بدل تخفيف المخاطر التي تعطل حركة السفن.
وفي هذا الصدد، حذر السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم الأسبق لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من التصعيد ضد الحوثيين بما يضر المصالح المصرية، خصوصًا إذا أدى إلى إغلاق باب المندب.
وانطلاقًا من هذا التحذير، تصبح حماية قناة السويس معيارًا لاختبار جدوى المشاركة، فإذا رفعت العمليات احتمالات تعطيل الملاحة، وجب مساءلة المبرر الذي يقدمها باعتبارها طريقًا مضمونًا لاستعادة الاستقرار البحري والتجاري.
كما أن مخاطر الرد لا تعني حتمية استهداف الموانئ المصرية، لكنها تفرض إدراج هذا الاحتمال ضمن حساب التكلفة، عوض التعامل مع الحدود الجغرافية للمهمة كأنها تمنع امتداد تداعياتها تلقائيًا.
ومن ناحية اقتصادية، تستهلك العمليات الخارجية موارد للنقل والإمداد والصيانة والحماية، بينما تحتاج الموازنة إلى تحديد الأولويات، ولا يجوز استبعاد هذه الأعباء من النقاش بحجة حساسية القرار العسكري ومقتضيات السرية.
وفي المقابل، لا تثبت الودائع والاستثمارات الخليجية وجود صفقة لمبادلة الدعم المالي بالمشاركة القتالية، لكن تداخل المصالح يجعل استقلال القرار وشفافية مبرراته ضرورة، ويضاعف مسؤولية السلطة عن تبديد الشكوك بإجابات محددة.
ولهذا، فإن الحكومة مطالبة بإيضاح ما تتحمله مصر ماليًا، وما يلتزم به الشركاء، وكيف ستراجع النفقات، دون نشر معلومات عملياتية حساسة أو استخدام السرية ستارًا لحجب أصل الالتزام وتكلفته المتوقعة.
وبدل توسيع المواجهة، تستطيع القاهرة الدفع نحو ترتيبات تربط خفض الهجمات بحماية الملاحة واستئناف التفاوض، فاستقرار البحر الأحمر يحتاج معالجة سياسية تمنع تجدد التهديد، إلى جانب إجراءات الحماية العسكرية الضرورية.
ومع اقتراب جلسة 26 أكتوبر، يصبح الاختبار الحقيقي قدرة البرلمان على إلزام الحكومة بتقديم أهداف وحدود وضمانات، فالتأجيل لا يوفر حماية بذاته إذا انتهى بموافقة تعيد إنتاج الغموض نفسه مجددًا.
وأخيرًا، فإن حماية السعودية لا تمنح السيسي حق طلب شيك عسكري مفتوح، فأرواح المصريين وأمن الموانئ وموارد قناة السويس تستوجب قرارًا مستقلًا ومحددًا، لا التزامًا تدخل القاهرة إليه وتعجز عن إنهائه.

