محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
هل هذا عنوان؟ وهل يليق؟ أليس قاسيًا ووقحًا؟ الحقيقة أنه كذلك، لأنه يصف واقعًا في مصر. هنا أتذكر الصحافي المغدور جمال خاشقجي، حين علّق غاضبًا على مانشيت صحيفة "المصري اليوم" صبيحة بيع جزيرتي تيران وصنافير: "جزيرتان ودكتوراه لسلمان.. والمليارات لمصر"، فكتب: "أي قلة الأدب هذه؟.. أي صحافة هذه؟". انزعج جمال، رحمه الله، غيرة على بلاده، رغم أنها الشاري لا البائع، وانزعجت النخب المصرية وقتها، لا من العنوان، بل من الواقع الذي يصفه. وكتب الكُتّاب والنقاد والسياسيون والمثقفون والنشطاء والشعراء ضد الصفقة، وحكم القضاء المصري بمصرية الجزيرتين، ومع ذلك تمت الصفقة رغمًا عن الجميع، وشخط عبد الفتاح السيسي في الجميع أمام الكاميرات وعلى الهواء مباشرة: "ما تتكلموش في الموضوع ده تاني". فأي عنوان صحافي أكثر قسوة ووقاحة مما نحن فيه؟
هذه هي المعادلة منذ "تيران وصنافير"، وقبلها: "ادفع هوريك اللي عمرك ما شفته". لا شيء له قيمة، وكل شيء له ثمن. تتجاوز المأساة حدود الاستبداد السياسي إلى منطق السوبرماركت: بلد بحالها على الرف، ضعها في عربة التسوق وادفع عند الكاشير. لكن هذه المرة البيعة ليست أرضًا، ولا شواطئ جرى التنازل عنها بشروط تثير أسئلة السيادة والجدوى، ولا مصانع وشركات، ولا أصول دولة، ولا آثارًا، بل بشر، جنود، لا نريد أن يعودوا إلينا في توابيت من أجل قضية لا يؤمنون بعدالتها.
تذكّر النظام المصري أن أمن الإقليم من أمن مصر؟ الآن تذكّر موقعه من التاريخ والجغرافية؟ الآن فقط صار لشعار "مسافة السكة" جنود وفاتورة؟ ألف باء الأمن القومي المصري، منذ مينا موحد القطرين، أنه يبدأ من العمق الشامي، فأين كنا في حرب إبادة غزّة؟ ضرب وحرق ومحو وإبادة على أبوابنا الشرقية، إلى اليوم، إلى لحظة كتابة السطور، إلى لحظة أداء التحية العسكرية للسعودية، إلى لحظة صدور توجيهات الملك سلمان ونجله، ما زالوا يُقتلون ويُذبحون ويُحرقون ويُبادون، لكنهم لا يدفعون، إلا على معابر العرجاني وشركاه، وهناك فقط ندعهم يمرون ويعيشون.
تشبه صفقة شحن الجنود المصريين إلى السعودية صفقة تيران وصنافير في أشياء كثيرة، أهمها أنها تفتقر إلى الاحترام. هناك لم يحترم النظام شعبه ونخبه ومؤسساته، وزاد هنا أنه لم يحترم نفسه: خطاباته، خياراته، ادعاءاته.
لقد قدمت هذه الدولة هروبها من مواجهة المستعمر وخضوعها لشروطه بوصفهما حكمة متعالية ودهاء سياسيًا وحنكة وسبقًا للعصر. وهي نفسها التي احتفلت طوال أكتوبر الجاري بـ"مسار السادات اللي كله فهم وإبداع"، كما وصفه السيسي في خطاب رسمي، وكما يدل عليه واقع مصر السعيد. ومع ذلك، ما إن احتاجت السعودية إلى الدعم العسكري، والودائع السعودية إلى التجديد، حتى أصبح إرسال الجنود أمرًا واجب النفاذ، طبقًا لتوجيهات جلالة الملك سلمان وولي عهده، من دون "كوبري" للتبرير أو التمرير أو حفظ ماء الوجه. هل الوديعة ثمن الجنود؟ ولماذا يتزامن هذا مع ذاك؟
توقفت أمام تصريحات قيادات الحوثيين التي تعامل بعضها مع مصر بوصفها مضطرّة لمجاملة السعودية، وحذر بعضها من تكرار تجربة مصر في اليمن. لا أسأل عن نيات الحوثيين، بل عن البؤس المصري. هل وصل الحال إلى أن صار من نستعد لحربهم يتحدثون عنا بوصفنا مضطرين، لا أصحاب قرار؟ يا فقير يا غلبان يا فاشل، حتى خصمك المحتمل يتعامل معك باعتبارك عاجزًا عن اختيار موقعك من الحرب. هذا هو النظام الذي يختال بما يسميه إنجازات، ويريد أن يُكمل حتى 2030، وأن يختار لمصر من يحكمها بعده؟
في الستينيات، ذهب الجيش المصري إلى اليمن وفق رؤية ومشروع، أيًا كان رأينا فيهما، ودفع المصريون الثمن من دمائهم. والآن يُطلب من الجيش نفسه أن يقف على تخوم اليمن، والوديعة السعودية على الطاولة. لم يعد العنوان هو الوقح يا جمال، صار الواقع يكتب مانشيتاته بنفسه، وليس لنا أو علينا إلا أن نقرأها بصوت عال:
هات فلوس وخذ عيالنا.

