مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
تشهد سبع دول أوروبية هي فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا واليونان انتفاضة جماعية ضد الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف التعليم، وهذا الأسبوع شهدت القارة العجوز مظاهرات واسعة واحتجاجات عنيفة صاحبها فوضى وخراب ونهب في بعض البلدان وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا.
انصب غضب المتظاهرين في أوروبا على رفض خطط التقشف وخفض الإنفاق العام من قبل الحكومات، وكان الغضب الأكبر لأسباب تتعلق بتفاقم ضغوط تكلفة المعيشة، وارتفاع أسعار السلع الرئيسية، ومنها الأغذية ومشتقات الوقود والبنزين والسولار والغاز، وكذا الاعتراض على تفاقم أزمة السكن وحدوث قفزات بالإيجارات وأسعار العقارات وتكلفة الصحة لا تتناسب مع الأجور وأرقام الدخول ومعدلات التضخم.
وكان الطلب الحيوي للمشاركين في تلك المظاهرات هو تحسين الأجور وأنظمة المعاشات والمرافق العامة من شبكات مياه وكهرباء وطرق ومواصلات واتصالات وتحديث البنية التحتية، ومواجهة الأعباء الاقتصادية التي تفاقمت في السنوات الأخيرة مع زيادة منسوب المخاطر الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود والشرق الأوسط وتفاقم المخاطر الصحية والاقتصادية مثل كورونا وتعطل سلاسل الإمداد.
ما زاد حدة تلك المظاهرات داخل أوروبا تخوف الشارع من إقبال أنظمة وحكومات أوروبية عدة على تطبيق خطط تقشف عنيفة تمس الأجور وسن التقاعد والمزايا الاجتماعية ومخصصات الصحة والتعليم، ومخاوف تتعلق بمعالجة الحكومات الأزمات المالية والنقدية المتفاقمة وعجز الموازنة العامة وتراجع الإيرادات وزيادة الإنفاق على حساب المواطن الذي يعاني أصلًا من تضخم مرتفع أمتد لكل تكاليف المعيشة.
والمتابع لتلك المظاهرات التي تشهدها دول أوروبية عدة يلحظ أنه نتجت عنها حصيلة ثقيلة وخسائر حادة إذ تخللتها مشاهد عنف وأعمال سلب ونهب وحرائق في عدد من المدن، وتدمير منشآت عامة وخاصة، وإضرام النيران في شركات والاستيلاء على محتوياتها، وهو ما رأيناه بوضوح في شوارع فرنسا وعاصمتها باريس، حيث تم نهب مئات المؤسسات ومتاجر الملابس والأحذية الرياضية ومستحضرات التجميل والهواتف والأغذية وبيع الساعات، ولم تقتصر أعمال النهب على العاصمة باريس بل امتدت لمدن حيوية أخرى منها ليون وليل وبوردو ومرسيليا ونيس ونانت ورين، بل إن شركات كبرى وعلامات تجارية كبرى أغلقت جميع متاجرها لحماية العاملين والعملاء، بعد اعتداءات المتظاهرين.
والملاحظ أن تلك المظاهرات في أوروبا بدأت تتسع رقعتها، مساحة ومطالب، بعد أن بدأت بمطالب محدودة، ففي فرنسا انصبت في البداية على مطالب بتحسين أوضاع المدارس ومعالجة نقص المعلمين، ثم اتسعت لمعالجة أزمات أخرى منها ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة وخفض الإنفاق العام. وتكرر المشهد في دول أخرى، فأزمة السكن وعمليات الإخلاء القسري وزيادة أسعار العقارات إلى نحو ثلاثة أمثالها خلال عشر سنوات جمعت بين مظاهرات إسبانيا والبرتغال.
وفي بلجيكا، تركزت المظاهرات على سوء سياسات التعليم ثم امتدت إلى التقشف وتخفيضات الميزانية، وفي ألبانيا، بدأت بمطالب تحسين التعليم وخفض تكلفته، قبل أن تتسع لتشمل الاعتراض على الفساد من قبل النظام الحاكم، أما إيطاليا التي تستعد لخريف ساخن مع تسارع التضخم وزيادة أسعار الطاقة فإن المظاهرات اجتاحت ميلانو وغيرها وصاحبها أعمال نهب وسلب وحرائق، وهو ما دفع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى الدعوة لاجتماع أمني عاجل.
أوروبا في خطر، وكذا اقتصادها وأسواقها وعملتها اليورو، وهذا الخطر سيتزايد في الفترة المقبلة مع استمرار الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وصدمة أسعار الطاقة وقفزة سعر الغاز الطبيعي لأعلى مستوى منذ عام 2022، وإصرار الاتحاد الأوروبي على حظر النفط والغاز الروسي عقابًا على غزو أوكرانيا.

